أزمة مركبة صحية واقتصادية واجتماعية وقيمية وسياسية، أزمة حكم

Dec 19, 2023 - 14:31
 0  87
مشاركة

أزمة مركبة صحية واقتصادية واجتماعية وقيمية وسياسية، أزمة حكم

1

تشهد بلادنا أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية وقيمية امتدت لعقد من الزمن، باعتبارها أزمة خيارات الأحزاب التي وصلت إلى السلطة، بعد 14 جانفي 2011. وقد ضاعفتها الأزمة الصحية بشكل اهتزت معه كل المعادلات. وتدلّ كل المؤشرات على أن خطر الإفلاس أصبح يتهدد الدولة التونسية. إن أمريكا وحلفاءها، الذين قرروا "مشروع إصلاح" نظم المنطقة العربية، أدخلوها في الحقيقة مرحلة من "الفوضى الخلاقة" وتركوها تغرق في محيط من المشاكل، الحرب الأهلية لدى البعض والإرهاب للبعض الآخر والصعوبات الاقتصادية والمالية بالنسبة للثالث. هكذا، وفي نفس السياق وجدت بلادنا نفسها بين فكّي كمّاشة الدوائر المالية العالميّة والدول المانحة. وأصبحت المديونية أداة التفقير المنهجي للدولة والمجتمع، كي يصبح حكامها أكثر طوعية وخضوعا للإملاءات، خاصة بعد أن تفكك نسيجها الصناعي وأرهقت مؤسساتها الاقتصادية، الانتاجية والخدماتية. ممّا اضطر عدد كبير منها على غلق أبوابه بينما واصل عدد آخر العمل بما لا يتجاوز الـ30% من طاقته الإنتاجية. وإلى جانب الفساد والنهب وسوء التصرف وانفجار المطلبية والنزيف الذي تحدثه المديونية فقد تعرّضت المالية العمومية للتّهرئة جراء التهرب الضريبي والتهريب وغلق "الفانات"، كل و"فانته"، الفسفاط والنفط والغز والماء وتخريب الطرقات لغلقها. وأثقلت المؤسسات العمومية بالنهب وسوء التصرف والديون حتى أنها أصبحت مهددة بالافلاس. فتعطلت عملية إنتاج الثروة وشارف الاقتصاد على الانهيار حتى أنه لم يعد ممكنا له تسديد ديونه أو التخفيف من ثقلها. لذلك انهارت المنظومات العمومية للتربية والتعليم والصحة والنقل والصناديق الاجتماعية. وفسدت الإدارة. وتضاعفت نسب الفقر في الجهات والأحياء المحرومة، ناهيكم أنه تجاوز ربع السكان. وبلغت البطالة أحجاما قلّ وأن شهدتها بلادنا. واستشرى الفساد وتمكّن من المجتمع ومن أجهزة الدولة ومؤسساتها.

كما أن الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية من شأنها أن تضاعف الأزمة التي تردت فيها بلادنا وتدفعها إلى مزيد من التفاقم، ممّا يعني أن اقتصادنا سيشهد مرحلة ركود طويلة، لا يمكن تجاوزها إلا إذا تمّت مراجعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية بأخرى اجتماعية تضامنية بمضمون وطني، وحماية بضاعتنا ومشاريعنا التنموية الصناعية والفلاحية، تمويلا وإنتاجا وتوزيعا.

 

 

2

عقّدت الأزمة السياسية في بلادنا الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وسرّعت في نسق انهيار جميع المؤشرات جراء التمطيط الذي تشهده عملية الانتقال الديمقراطي، وعدم حسم الصراع بين المشروعين للدولة والمجتمع، المشروع الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي والمشروع المحافظ باسم الدين وباسم الحداثة. خاصة وأن المشروع المحافظ، ومنه بالتحديد الإسلام السياسي بفروعه الثلاثة: الحركة الإخوانية الممثلة في حركة النهضة والسلفية الجهادية بمختلف جماعاتها وحزب التحرير الإسلامي، يمثل خطرا داهما على مكاسب المجتمع التونسي وعلى الجمهورية وعلى الحريات والديمقراطية. وزيادة على ذلك فإن النظام السياسي البرلماني المعدّل برؤوسه الثلاثة يترك الصراع مفتوحا بينها حول من يتولى شؤون الحكم. والشأن نفسه بالنسبة للقانون الانتخابي القائم على التمثيلية النسبية مع أكبر البقايا الذي لا يسمح بظهور أغلبية قادرة على الحكم. وهما عاملان يسببان عدم الاستقرار الحكومي والسياسي، اعتبارا لمرور تعيين رئيس الحكومة من البرلمان إلى رئيس الجمهورية والعكس بالعكس ولتغيّر التحالفات بين الأحزاب والكتل البرلمانية وانعكاس ذلك على تركيبة الحكومة. ممّا ينجرّ عنه عدم الاستقرار في تنفيذ البرامج وعدم المضي في إنجاز المشاريع إلى نهايتها وغياب أي مخطط تنموي تسير عليه الحكومات.

أما الوجه الثاني للأزمة السياسية فيتمثل في الصراعات الفاضحة في مجلس النواب والهجمات المركزة لممثلي الإسلام والتكفيريين على مكاسب الجمهورية الحداثية والسياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية.

3

إن اهتراء صورة الدولة لدى المواطن يمثل أيضا أحد عناوين الأزمة السياسية في بلادنا ونعتقد أنه كان نتيجة عدم إيفاء الأحزاب الحاكمة بتعهداتها الانتخابية فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والتربوية والتعليمية وغيرها، وعجز حكوماتها المتعاقبة على الخروج بالبلاد من الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية لما يفوق عن العقد من الزمن، وذلك لأنها اتبعت إملاءات صندوق النقد الدولي وخيارات أحزابها النيوليبرالية.

إن ما ألحق الضرر بسمعة الدولة أيضا هو عدم التزام الحكومات المتعاقبة بتعهداتها مع مواطنيها وعجزها على حمايتهم من المخاطر التي تتهدد حياتهم، بما فيها الجائحة، وعلى حماية مؤسساتها الانتاجية والخدماتية من الصراع السياسي والقطاعي والمواطني الضيق، بشكل أصبحت فيه لا تبسط نفوذها على قطاعاتها الحيوية. وقد وصل الاستهتار بالدولة إلى مستوى التحدّي لرموز السلطة لاتخاذ أي إجراء ضد رافع لواء الاحتجاج حتى وإن خالف القانون. ولا نعتقد أن ما يجري في البرلمان وفي الإدارة وفي الشارع وفيما بين القبائل بعيدا عن الشعار الشعبوي الشهير "الشعب يريد"، كما يرفع الآن، باعتباره "يريد تسكير الفانا، يريد إيقاف إنتاج الفسفاط، يريد تسكير مستشفي، يريد منع توزيع الغاز السائل، يريد قطع الماء المتجه نحو مدن أخرى من الوطن التونسي...إلخ" لتلبية مطالبه أو بدفع من عصابات الفساد تعرفها السلط جيدا.

4

تلك هي عناوين الاستهتار بالدولة وترذيل السياسة والسياسيين والأحزاب السياسية لتعبيد الطريق أمام الفوضى والشعبوية والفرق التكفيرية الأشد عنفا وتطرفا كي تضرب مكاسب الجمهورية الحداثية والحضارية والسياسية والاجتماعية والثقافية وتجهض التجربة الديمقراطية لإرساء نظام استبدادي باسم الدين أو باسم الحداثة. وممّا سرّع نسق الارتداد الاجتماعي للمجتمع التونسي وضرب مرجعياته القيمية والحضارية وطغيان المصالح الضيقة، الفردية والقطاعية، على المصلحة العامة الوطنية.

إن الخطر كل الخطر يكمن في أنه إذا تواصل المشهد العام على ما هو عليه إلى حدود استحقاق 2024، أو إلى حين يستفيق مارد "الإسلام السياسي" ليتحد حول الحدّ الأدنى الجامع بينه، سواء عن طريق الوعي بقوته أو عن طريق الإخضاع بمعنى أن يفرض طرف من بينها، على البقية، الطاعة باسم الله والدين، حينها يكون "فات الفوت" ونكبّر على الجمهورية وعلى الحداثة أربعا...

لذلك فإن هذا الوضع يتطلب إجراء إصلاح شامل للدولة والجمهورية بمؤسساتهما وهيئاتهما وأجهزتهما على أساس مبادئ وقيم الجمهورية وإصلاح النظامين السياسي والانتخابي بما يضمن الاستقرار ويحمي سيادتنا الوطنية على أراضينا ومقدراتنا ويضع البلاد على سكة النهوض الاقتصادي والعدل الاجتماعي والجهوي.

5

لقد تضررت كافة الطبقات الشعبية من الأزمة الاقتصادية التي أثقلت كواهلها تبعات الأزمة الاقتصادية التي شهدها الاقتصاد الوطني منذ ما يزيد عن العقد من الزمن بصورة متواصلة، وطال الضرر الفئات الوسطى بشكل التحقت فيه بالطبقات الشعبية. وضرب العطش العديد من الجهات وارتفعت أسعار الماء الصالح للشرب والكهرباء والغاز وتدهورت الخدمات فتبعتها الأوضاع الصحية لعموم الشعب التونسي جراء تفكك مرفق الصحة العمومية وغلاء أسعار الأدوية. وزيادة على ذلك فقد ارتفع منسوب التشاؤم لديه، بحيث ألقت مجموعات كبيرة من شبابه بنفسها في مغامرة "الحرقة" لمواجهة خطر الموت غرقا وفي أحسن الحالات مواجهة المجهول، وفقد الأمل في إمكانية تحسن أوضاعه الأمر الذي جعله عرضة للأمراض الاجتماعية. فلم يعد يثق بالسياسيين والأحزاب السياسية لتنكر من فازت في الانتخابات لوعودها للناخبين والصراعات الهابطة، وبصورة خاصة الحاصلة بين قطبي المجلس النيابي، فغمره الخوف والخشية على مستقبله ومستقبل أبنائه. وليس هذا فقط بل زاده الخطاب الشعبوي الغامض الذي يحذّر دائما من التآمر والغرف المظلمة في منسوب خوفه ودفعه إلى مزيد من الاضطراب.

وأمام هذا الوضع تحرّك الشغالون في العديد من القطاعات ورافقهم العاطلون عن العمل وعدد من المواطنين مطالبين بالتنمية لجهاتهم، فتجمعوا أمام مراكز السلطة واعتصموا أمام البعض منها وأغلق البعض منها "الفانا" وقطع البعض الآخر إنتاج الفسفاط ونقله، وقطع خامس الطريق وسادس السكة الحديدية وسابع منع توزيع الغاز السائل، وأضرب ثامن عن العمل بمن فيهم القضاة.

إن المطالب المرفوعة مشروعة وأن التحركات من أجل تحقيقها مشروعة أيضا، لكنها لمّا تقع في شباك من يدفعون باقتصاد البلاد إلى الإنهيار وإلحاق الضرر بمصادر المالية العمومية للدولة أو يعرّض حياة المواطنين للخطر فذلك غير مقبول وعلى الشعب المحتج أن يتجمّع ويعتصم أمام مراكز السلطة باعتبارها مسؤولة على الأوضاع العامّة وعلى الخيارات التي فرضتها علينا.

إن الخطر المحدق بهذه التحرّكات يتمثل في الخطاب الشعبوي الذي حوّل تلك المشروعية إلى نوع من "الدستور" الذي يعبّر عن إرادة الشعب في صيغة "الشعب يريد" أو في الصيغ السلفية التكفيرية، بحيث تتخلص الأحزاب والأفراد والمجموعات اليمينية المتطرفة المحافظة التي تفوز في الانتخابات من مسؤولية وضع البرامج ليصبح المواطن سيّد نفسه في تحديد مطالبه وأساليب تحقيقها.

كما أن شعبوية أخرى ظهرت من جهة اليسار تعتبر أن التّحرّكات الاحتجاجية علامة دالة على أن الثورة بصدد النضج والحال أنّها مطالب قطاعية وفئوية تطوى صفحتها ساعة أن تلبى فيها المطالب. وهذا يعني بأن الحراك ليس تعبيرا عن وعي سياسي لأنّه يفتقد للبرنامج البديل وبأن القوى السياسية التي تدّعي أن الحراك يهيئ للثورة وأن الوقت حان لكنس المنظومة برمّتها من خارجها، والحال أن القيادة السياسية للحركة الشعبية مازالت لم تولد بعد، وأن البرنامج البديل لم يتألف بعد، وأن الحراك العفوي لن يؤدي إلى ثورة بل إلى حالة من الفوضى.