الأسس العامة لبرنامجنا
تقديم:
شهد عالمنا تحولات كبرى، في العشرية الأخيرة من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، كان لها أثر بالغ على الأوضاع الدولية وعلى الصراع الطبقي والوطني وعلى حركة الطبقة العاملة والشعوب وعلى الحركة الشيوعية العالمية.
لقد انتصرت الرأسمالية في صيغتها الأكثر جشعا – النيولبيرالية - على الاشتراكية، إذ انهار المعسكر الشرقي الذي كان "يرمز" لها وتبعته ألبانيا، وأعلنت الصين الشعبية نظرية "اشتراكية السوق". وشهد العالم الرأسمالي ثورات علمية وتكنولوجية واتصالية وفي مجال الإعلامية والبيوكيمياء والجينات، أعطت دفعا لم يسبق له مثيل في نسق التطور والتقدم، مما مكن الرأسمالية من سيادة العالم دون منازع.
وأعلن منظرو البورجوازية وساستها "موت الشيوعية الهادئ" "وانتهاء عصر الايديولوجيات" و"نهاية التاريخ" وأن ما حققته الرأسمالية والبورجوازية من تقدم علمي وتكنولوجي وما أنتجته من فكر وثقافة وفن وسياسة ونمط حكم ومجتمع يمثل أرقى ما يمكن أن تبلغه الإنسانية من تطور ورقي.
وحققت الأيدبولوجيا البورجوازية انتصارا على إيديولوجية الطبقة العاملة، لم تحرزه منذ أواسط القرن التاسع عشر، فقد تمكنت من تجديد نفسها والاستلهام من روح العصر، بينما حافظت الثانية على بنائها القديم ولم تتمكن، بعد، من العودة إلى حلبة الصراع بالتماسك والقوة اللازمين.
وانتصبت الولايات المتحدة الأمريكية، سيّدة للعالم، تتصرف فيه كإمبراطورية عالمية. واستعجلت فرنسا وألمانيا الوحدة السياسية والعسكرية لأوروبا، بعد أن أرست وحدتها الاقتصادية والنقدية. وخرجت آسيا، بأقطابها الثلاثة (اليابان والصين والهند) تبحث عن موقع عالمي. وتسعى روسيا الاتحادية إلى استرجاع المجد الضائع للاتحاد السوفياتي- سابقا.
إن البورجوازية العالمية بصدد التكتل إقليميا وعالميا في اتجاه الوحدة والانصهار في طبقة عالمية واحدة متخطية المصالح الوطنية، كي تكون قادرة على حماية مصالحها من شبح الاشتراكية والشيوعية الذي مازال يروعها.
وبالمقابل فإن الطبقة العاملة والشعوب وقواها الشيوعية والثورية والديمقراطية مازالت تعيش تحت وطأة الهزيمة والفشل والتجربة السلبية، ومع ذلك، فإنها تواجه، بما أمكن لها من قوة، الهجوم الشامل والشرس الذي تشنه عليها الرأسمالية والبورجوازية العالمية بفرقها الأكثر تطرفا ويمينية وعنصرية. وهو ما يؤكد أن الفكرة الاشتراكية لم تمت وأن الطبقة العاملة عائدة إلى مسرح السياسة العالمية بمشروعها التحرري الهادف إلى تخليص الإنسان من الاستغلال والاضطهاد.
وعلى هذا الأساس، نحن، الاشتراكيون، بعد نقاش عميق قرّرنا أن نتشكل في حزب سياسي خاص، كي نتمكن من إعادة الاعتبار للمشروع الاشتراكي، وللطبقة العاملة دورها في الصراع الطبقي من أجل التحرر السياسي والاجتماعي والجمهورية الديمقراطية الشعبية والاشتراكية.
إن تأسيس حزب خاص بنا لأنه لنا مفاهيم وأهداف عامة نتميز بها عن غيرنا، تعبّر على أننا جددنا المشروع الاشتراكي بشكل جعلناه يتمل روح العصر وقادرين على دحض خرافة موت الاشتراكية والشيوعية..
وزيادة على ذلك، فإن هذا الحزب، لن يكون حزبا معارضا لأحزاب الطبقة العاملة الأخرى، باعتباره يشترك معها في هدف مباشر واحد، ألا وهو، تنظيم العمال في طبقة مدركة لمصالحها ومستعدة للنضال في سبيل مشروعها المجتمعي الخاص المجتمع الاشتراكي.
يجري تطور المجتمعات بصورة مغايرة للطبيعة، حيث أن تطور الطبيعة عفوي، باعتباره خاضعا لقوى غير واعية، في حين أن المجتمعات الإنسانية، باعتبارها مؤلفة من البشر، الذين يملكون وعيا وإرادة وطموحا، فهم يدخلون في علاقة مع الطبيعة ومع بعضهم البعض وهم ينتجون حاجاتهم المادية، لذلك يتدخل وعيهم وفعلهم في القوانين الموضوعية لوجودهم الاجتماعي. وعلى هذا الأساس يخضع تطور المجتمعات، في الوقت نفسه، إلى تطور قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج وإلى صراع الطبقات والثورات الاجتماعية.
1
أسلوب الإنتاج وتطور المجتمعات
كان الإنسان، منذ طوره الأول، في حاجة إلى إنتاج الخيرات المادية المتوفرة من الطبيعة، لكي يعيش. ومع سير التاريخ تغيّر وتطوّر الإنتاج وأساليبه وأشكاله ووسائله. وتميزت كل مرحلة من مراحل التاريخ العالمي بأسلوب إنتاج محدد للخيرات المادية.
ولكل أسلوب إنتاج جانبان: قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، يؤلفان وحدة مترابطة، بحيث لا يمكن أن يوجدا منفصلين.
أ ـ القوى المنتجة وتطور المجتمعات
تتكون قوى الإنتاج من الناس الذين يتمتعون بمهارات ومؤهلات إنتاجية ووسائل العمل في ترابط متكامل يجسده إنتاج الخيرات المادية. ومع الثورات العلمية والتقنية التي شهدتها الإنسانية عبر التاريخ، تحول العلم شيئا فشيئا إلى قوة منتجة مباشرة. لذلك فإن قوى الإنتاج تمثل الجانب الأكثر ثورية في أسلوب الإنتاج وهي تدفع باستمرار المجتمعات في طريق التطور والتقدم.
لقد كانت قوى الإنتاج في الأطوار الأولى من التاريخ الإنساني بدائية تفرض على الإنسان بذل جهد خارق للعادة لتلبية حاجاته الحياتية المتواضعة جدا. لذلك وجد نفسه مجبرا، لكي يعيش، أن يكون عضوا في ظل مشاعة يتعاون فيها مع أهلها في كل شيء ويتفاسم معهم كل شيء. ويدعى هذا النمط المجتمعي، المشاعة البدائية، لانعدام الفروقات الاجتماعية فيه.
ومع تطور الإنتاج وقوى الإنتاج وتقسيم العمل في المجتمع، نشأت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللناتج. فظهرت معها فوارق اجتماعية، قامت على استغلال الإنسان للإنسان، قسمت المجتمع البدائي إلى طبقتين رئيسيتين، طبقة الأسياد التي تملك وسائل الإنتاج وتحتكر الناتج وطبقة العبيد التي تنتج الثروة. وهكذا نشأت تشكيلة اجتماعية جديدة، على أنقاض المشاعة البدائية، تسمى العبودية.
ولمّا أصبحت العبودية عائقا أمام تطور القوى المنتجة المطرد، ظهرت الإقطاعية، باعتبارها تشكيلة اجتماعية تلعب دور المحرر الجديد لقوى الإنتاج، قابلت الإقطاعيين بالأقنان.
ومع تطور التبادل السلعي وتحول العملة إلى بضاعة تبادل في الأسواق الوطنية وحلت المانيفاكتورة ودخلت الماكينات الأولى في عملية الإنتاج وبدأت المعامل والمصانع تظهر كالفقاقيع، تحولت الإقطاعية إلى معيق لتطور قوى الإنتاج وتطور المجتمعات، فتولّدت الحاجة إلى تجاوزها. فتركت مكانها للرأسمالية.
وفي ظل الرأسمالية امتلكت البورجوازية أهم وسائل الإنتاج واحتكرت الثروة لصالحها ولم يبق للعامل شيء غير قوة عمله التي يعرضها للبيع كي يتمكن من العيش.
طورت الرأسمالية، ولا تزال، قوى الإنتاج بشكل لا سابق له في التاريخ. لكنها، وهي تنجز مثل هذا العمل الجبّار، تكون قد وفّرت القاعدة المادية لتجاوز ذاتها، ليس بذاتها بل من قبل الطبقة التي استعبدتها، لأنها تقوم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الاجتماعية وعلى احتكار الثروة المنتجة اجتماعيا.
لقد تحولت إلى عائق أمام تطور قوى الإنتاج وأمام إمكانية ضمان الرخاء وتحرير الإنسان من الاستغلال والاضطهاد.
لذلك نشأت الحاجة إلى تجاوز الرأسمالية في اتجاه تشكيلة اجتماعية تتوافق فيها مشركة الإنتاج مع مشركة التملك، أي الاشتراكية.
وفي ظل الإشتراكية يحصل التوافق بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج وتتوفر الظروف الموضوعية للخلاص النهائي من التملك الخاص لوسائل الإنتاج الاجتماعية ومن انقسام المجتمع إلى طبقات.
ب ـ علاقات الإنتاج ومكانتها في تطور المجتمعات
تمثل علاقات الإنتاج العنصر الثاني في أسلوب الإنتاج، وهي تعبّر عن العلاقات التي تنشأ بين النّاس في عملية إنتاج الخيرات المادية، وليست علاقاتهم في عمومها. لذلك فهي، قبل كل شيء، علاقات اقتصادية تحدد مواقعهم في العملية الإنتاجية وتضبط نصيبهم من الإنتاج بصورة دقيقة لا لبس فيها وتفرض عليهم الوحدة في إطار ما تحدده تشكيلة اجتماعية من نوعية لتقاسم الأدوار فيما بينهم.
ويتكون المضمون الأساسي لعلاقات الإنتاج من العناصر الثلاثة التالية: ـ ملكية وسائل الإنتاج
وبما أن المضمون الأساسي لعلاقات الإنتاج يتكون، في المقام الأول، من علاقة الناس بملكية وسائل الإنتاج، فإن ملكية وسائل الإنتاج تعتبر أهم أساس للعلاقات الاقتصادية القائمة في المجتمع.
ـ "تبادل" النشاط
أما الجانب الجوهري الثاني لعلاقات الإنتاج فهو تبادل النشاط بين الناس المنخرطين في عملية الإنتاج المادية، حيث يشاركون من مواقع مختلفة ويتبادلون فيما بينهم نتائج عملهم. فالرأسماليون الذين يملكون وسائل الإنتاج ينظمون الإنتاج، والعمال الذين لا يملكون غير قوة عملهم التي يعرضونها للبيع في الإنتاج هم المنتجون المباشرون للثروة. وهو حال سائر التشكيلات الاجتماعية الماقبل رأسمالية أيضا.
ـ توزيع المنتوجات
ويعتبر توزيع المنتوجات العنصر الأساسي الثالث في تحديد علاقات الإنتاج. إذ بواسطته تتسلم كل طبقة حصتها من الدخل الإجمالي، بشكل صارم وبكمية تحددها علاقات الملكية القائمة.
وبالنظر إلى أن الجوانب الثلاثة، التي تؤلف علاقات الإنتاج، موضوعية ولا تتعلق بوعي الناس وإرادتهم، وإلى الترابط الحاصل بينها، فإن كل تغيير نوعي يحصل في أحدها يمس حتما ببقية المكونات ومن ثم بنظامها ككل. لذلك تأخذ علاقات الإنتاج التي تنشأ في عملية إنتاج القيم المادية طابعا موضوعيا يجعلها تتطور بقطع النظر عن وعي الناس وإرادتهم.
وقد شهدت المجتمعات أنواعا مختلفة من علاقات الإنتاج: المشاعة البدائية والعبودية والإقطاعية والرأسمالية والاشتراكية، اتبعت أثناء سيرها ارتقاء وتراجعا وعدم نضج وتشابك، غير أنها تنتقل، في النهاية، من طور نوعي إلى آخر، ولا يمكن لوعي الناس وفعلهم غير تسريع أو تعطيل نسق هذا السير.
ويكمن الطابع الموضوعي للعملية التاريخية في أن المجتمع لا يبلغ إلا مرحلة التطور المتولدة من فعل القوانين الموضوعية التاريخية. وهي، قوانين لا يمكن لأحد إلغاؤها، والتي إن تمّت عرقلتها أو القفز على درجة النضج الكافية التي تستوجبها تحوّلاتها، تعدل مجراها وتشق طريقها حتما في اتجاه الإرتقاء.
2
المجتمعات وصراع الطبقات
لم تظهر الطبقات في المجتمع إلا مع ظهور الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الاجتماعية. وعندها فقط أصبح ممكنا تحديد موقع مختلف الطبقات بوضوح من وسائل الإنتاج، حيث أن الطبقة المالكة هي صاحبة السيادة، طبقة الأسياد والإقطاعيين والرأسماليين، من ناحية، ومن ناحية أخرى، الطبقة التي لا تملك شيئا، أو تملك وسائل إنتاج خاصة لا تسمح لها باستغلال غيرها، العبيد والأقنان والعمال.
تلك هي الطبقات الأساسية في المجتمع ومن الخطأ اقتصار البنية الطبقية لهذه التشكيلة أو تلك على العلاقة بين الطبقات الأساسية التي يتجلى فيها أسلوب الإنتاج السائد، فإلى جانبها توجد عناصر من المراحل السابقة من التطور الإجتماعي ونتفا من التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية اللاحقة، وهي طبقات وفئات اجتماعية غير أساسية، منظور إليها من زاوية علاقتها بوسائل الإنتاج.
ومنذ أن تحللت المشاعة البدائية وانقسم المجتمع إلى استغلاليين ومستغلين إلى سادة ومضطهدين أخذت المجتمعات تتطور في إطار الصراع بين طبقتيها الرئيسيتين: الأسياد والعبيد، الإقطاعيين والفلاحين، الرأسماليين والعمال. وكان هذا الصراع سافرا تارة وخفيا تارة أخرى، عنيفا أحيانا وسلميا أحيانا أخرى، لكنه ينتهي دائما تاريخيا بمرور المجتمع من تشكيلة اقتصادية واجتماعية إلى أخرى أرقى.
ويأخذ الصراع بين الطبقات في كل المجتمعات ثلاثة أشكال أساسية: اقتصادي وسياسي وايديولوجي. ويمثل بأشكاله الثلاثة تلك، القوة المحركة للتطور الاجتماعي.
وجرت محاولات لتجاوز نسق تعويض شكل استغلال بآخر قامت بها كمونة باريس وثورة أكتوبر، تبعتهما ثورات أخرى في العديد من بلدان العالم، تختلف في مضمونها وأشكالها وقواها المحركة، غير أنها آلت جميعا إلى فشل، إذ استعادت الطبقات الاستغلالية هيمنتها الاقتصادية وسيادتها على المجتمع ووقعت الطبقات الكادحة من جديد تحت طائلة الاستغلال والاضطهاد.
3
الدولة وانقسام المجتمع إلى طبقات
لقد ظهرت الدولة مع انقسام المجتمع إلى طبقات. وأضحت منذ ذلك الحين أداة هيمنة الطبقات المستغلة على الطبقات المستغلة. وأخذت مع كل تشكيلة اقتصادية اجتماعية طبيعة طبقية تتصل بالطبقة المهيمنة اقتصاديا. ويمكن حصرها في أربعة أنماط أساسية : الدولة العبودية والدولة الإقطاعية والدولة البورجوازية والدولة الاشتراكية.
ويتحدد شكل الدولة بشكل الحكومة وبالنظام السياسي.
لقد أخذت الدولة البورجوازية شكلين رئيسيين للحكم، الملكية الدستورية والجمهورية. وشهدت الدولة الاشتراكية، أيضا شكلين رئيسيين، السوفياتي والشعبي.
ويعبّر النظام السياسي في الدولة البورجوازية عن أساليب الحكم التي تمارس بها طبقة الرأسماليين سلطتها، ويتراوح بين الديمقراطية والديكتاتورية.
وينفرد الشكل الفاشي للدولة عن أشكال الدولة البورجوازية بأساليبه الإرهابية المفتوحة وبنظامه السياسي الكلياني.
في حين أن الديمقراطية باعتبارها أحد أشكال الدولة البورجوازية فهي تمثّل"نظاما سياسيا يحترم إرادة الشعب" التي يجسدها "الاقتراع العام" ويضمن "حرية اختيار الشعب لمن يمثله ومن يحكمه" و"ممارسة الحريات العامة والفردية لكل مواطن"، وهي بالتالي الشكل الأقل وطأة على الطبقات المستغلة.
أما الدولة في التجربة الاشتراكية فإنها لم تخرج تاريخيا عن إطار الدولة الاستغلالية إلا في مرحلة المد الثوري التي حافظت فيها الجماهير على جبروت سلطتها الميدانية وحافظ فيها الحزب الطليعي على ثوريته. وحالما هدأت الثورة، استنجدت الطبقة الحاكمة الجديدة بالأجهزة القديمة للدولة، التي كانت حطمتها، كي تقدر على تسيير الشؤون العامة "بالنجاعة الكافية" وعلى تنفيذ الإجراءات العاجلة التي تستوجبها ضرورات مواجهة الصعوبات التي برزت على الميدان. لكن "الضرورة النفعية" جرّت، شيئا فشيئا، أجهزتها التي ولدتها الثورة وموظفيها، الذين يعدون من خيرة أبنائها، إلى التبقرط، فابتلعتهم الوظائف، واندمج، بالطريقة نفسها، حزبها الطليعي بالأجهزة، إلى أن انفصلت عن الطبقة العاملة وتحولت إلى بيروقراطية للدولة، تتحكم في وسائل الإنتاج وتحتكر الثروة الاجتماعية وتعيد توزيعها بما يضمن هيمنتها في المجتمع وبقاءها في السلطة، وبذلك أخذت سمات الطبقة الاستغلالية الجديدة.
في حين أن الدولة في الفكر الشيوعي وفي المشروع الاشتراكي تعد تجاوزا لنظيراتها في المجتمعات الاستغلالية، بحيث أن أجهزتها التمثيلية والتنفيذية والإدارية والمسؤوليات خاضعة لصندوق الاقتراع ولسحب الثقة وللتداول وزيادة على ذلك فإن الأجهزة التنفيذية تحت رقابة الأجهزة التمثيلية. وهي آليات تجعل من الديمقراطية البروليتارية والشعبية، باعتبارها الشكل الذي تتجلى فيه "الدولة العمالية" أو "الدولة البروليتارية" أو "دولة العمال والفلاحين" أو "الدولة الشعبية"، ذات الطبيعة الطبقية المغايرة للديمقراطيات الأقلية للأسياد والنبلاء والإقطاعيين والرأسماليين. وتمنح هذه الآليات القدرة الكافية للديمقراطية البروليتارية والشعبية كي تمنع أجهزة الدولة الاشتراكية من التبقرط وتقف في وجه التفرد بالسلطة واندماج أجهزة الحزب الطليعي والأحزاب الأخرى بأجهزة الدولة، لأنها تقوم على إشراك أغلبية المجتمع في إدارة الشأن العام، وبذلك فهي تتجه بالدولة، شيئا فشيئا، صوب الذوبان.
وبصيغة أخرى فإن الديمقراطية الشعبية والبروليتارية، من زاوية المضمون الطبقي ومن زاوية التاريخ السائر في اتجاه الإرتقاء الدائم، تعد تجاوزا تاريخيا وإيديولوجيا ونظريا للديمقراطية البورجوازية، لكن الممارسة هي التي عاقت هذا التجاوز على التحقق.
4
الثورات الاجتماعية قاطرة التاريخ
إن المرور من تشكيلة اقتصادية واجتماعية إلى أخرى يحدث لمّا يجد التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج طريقه إلى الحل، ويفتح الصراع بين الطبقات على مرحلة تاريخية كاملة من التحولات الثورية ترفع خلالها الطبقات الكادحة إلى السيادة.
ويتحقق هذا الانتقال من تشكيلة إلى أخرى لمّا تكون الثورة الاجتماعية قادرة على حل التناقضات القديمة التي كانت تحرك المجتمع وعلى إزاحة كل العراقيل التي كانت تقيمها علاقات الإنتاج القديمة أمام تطور قوى الإنتاج.
إن الصراع الطبقي لا يأخذ على الدوام طابعا حادا بل يتبع صيغا وأشكالا سلمية أيضا، سياسية ونظرية وإيديولوجية واقتصادية وثقافية. ويشهد في الصيرورات التي تتبعها عمليات تراكم كمّي تفضي إلى نقلة نوعية. ويمكن لهذه الصيرورات أن تكون تطورية أو تراجعية، وتاريخ المجتمع الإنساني حافل بالتّقدم والتقهقر. وليس في الأمر غرابة أن تنتصر الثورة وتعطي السيادة للطبقات الدونية في المجتمع، تعقبها ثورة مضادة تعيد السلطة للطبقات القديمة. وهو ما حدث للثورة البورجوازية، طيلة قرنين، قبل أن تأخذ مسارا عالميا لا تراجع فيه. وتشهد الثورة الاشتراكية تقريبا نفس المسار، إذ انتصرت كمونة باريس ثم انهزمت أمام تحالف البورجوازية الأوروبية، وانتصرت الثورة البلشفية في روسيا وفي بلدان أوروبا الشرقية وفي الصين ثم تركت مكانها للبورجوازية البيروقراطية التي تمكنت من أجهزة الدولة واستولت على الثروة الاجتماعية. وبذلك عادت الطبقة العاملة إلى نقطة البداية تتحسس من جديد طريق الثورة.
وتؤكد التجربة التاريخية أن القضية المركزية في كل ثورة هي السلطة السياسية بمعنى أن الطبقات السائدة تستعمل قوة الدولة لإخضاع الطبقات الشعبية في حين أن هذه الأخيرة تسعى إليها كي تتخلص من النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي القديم وتقيم نظاما آخر على صورتها. وتمثل هذه الطبقات القوة المحركة للثورات. وبذلك تطبع كل واحدة عصرها بطابعها وتتميّز عن غيرها بنوعية المهمات التاريخية التي تطرحها على نفسها للإنجاز. فتكون الثورة: بورجوازية، وطبقة العصر: البورجوازية، إذا أفضت إلى سيادة نمط إنتاج رأسمالي وعلاقات إنتاج رأسمالية، وتكون اشتراكية إذا أفضت إلى سيادة نمط إنتاج اشتراكي وعلاقات إنتاج اشتراكية.
وتحتل الطبقات الخاضعة للاستغلال والاضطهاد عامة الدور المحدد في الثورات الاجتماعية. فهي التي تهزّ أسس المجتمع القديم وتولّد الجديد. غير أنها ظلت تابعة للطبقة القائدة التي تمثل عصرها. ولأول مرة في التاريخ، أصبح لطبقة من الطبقات الكادحة نظرية وفلسفة وإيديولوجيا خاصة بها تجعلها تطمح إلى تغيير العالم وإعادة صياغته على صورتها، وهذه الطبقة هي الطبقة العاملة والفلسفة التي تعتمدها هي الاشتراكية العلمية. فأصبحت منذ تلك اللحظة قادرة على المضي بصراعها ضد الرأسمالية والبورجوازية إلى نهايته، بقيادة حزبها السياسي الذي يتبنى فلسفتها، من أجل تحقيق تحررها وتحرر المجتمع بأسره من كل أنواع الاستغلال والاضطهاد وتحقيق إنسانية الإنسان.
إشكاليات المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية
1
المراحل الكبرى لتطور الرأسمالية
كانت "المبادرة الحرة"، في المرحلة التنافسية، أداة رأس المال لتخطي الحواجز "الوطنية" واحتلال المكانة التي تعود له في الاقتصاد العالمي.
ولما تحولت البورجوازية إلى طبقة مهيمنة في المجتمع وعززت سلطتها السياسية وفرضت على الإقطاع والملكية الخضوع لها وحولت "الوطن" إلى سوق خاص بها وطورت أجهزة الدولة السياسية والإدارية والقانونية والقمعية واطمأنت على سيادتها، وجهت أنظارها إلى العالم تريد إعادة بنائه وتنظيمه على صورتها وبحثا عن مناطق نفوذ ومجالات حيوية جديدة تساعدها على تنمية ثروتها أكثر فأكثر.
لقد قطعت هذه المرحلة التاريخية تحت شعار"دعه يفعل دعه يمر" الذي يكرس حرية المبادرة للبورجوازي في شكلها التام بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، بما في ذلك الصراع من أجل الهيمنة على السوق. وعلى أساس المبادرة الفردية نشأت السوق الوطنية التي كانت تستقبل البورجوازي كفرد وتفرض عليه منطقها، حسب قانون "العرض والطلب". ولم يكن له من بد، وهو يواجه المجهول والمخاطر، إلا أن يدخل في أحلاف قطاعية أو وطنية كي يفرض سلطانه على منافسيه.
وهكذا بدأت تنشأ الاحتكارات، في كل بلد، في شكل تروستات وكارتيلات، وبدأ الرأسمال البنكي يتوحد مع الرأسمال الصناعي لينشأ الرأسمال المالي. وشيئا فشيئا أصبحت الاحتكارت سيدة الإنتاج والتوزيع والمال وبالتالي سيدة السوق الوطنية، تفرض قانونها الاحتكاري، باسم التنافس. ومنذ ذلك الحين لم يعد الرأسمالي هو الذي يغامر بمفرده بحثا عن موارد وأسواق جديدة، بل، والى جانب حلفائه في الاحتكار، أصبحت الدولة "الوطنية" تصارع غيرها من الدول "المتمدنة" للسيطرة على مناطق النفوذ لفائدة بورجوازياتها الاحتكارية. وانتهى هذا الصراع في طور أول باقتسام الكرة الأرضية بين حفنة من البلدان الرأسمالية المتقدمة "ولأول مرة بدا العالم مقتسما بشكل لا يمكن معه في المستقبل إلا إعادة اقتسامه، أي انتقال الأراضي من 'مالك' لآخر، لا انتقالها من حالة أراض لا مالك لها إلى أراض ذات 'مالك' ". وقد اشتد التسابق، بين الدول الكبرى، من أجل الاستيلاء على مستعمرات جديدة، على طول النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبصورة خاصة في العشريتين الأخيرتين منه.
ويمكن القول أن مرحلة سنوات 1884- 1900، باعتبارها مرحلة احتدام الصراع على المستعمرات وتقاسم مناطق النفوذ، تعد نهاية سيادة التنافس والانتقال إلى الاحتكار واتحاد الرأسمال البنكي مع الرأسمال الصناعي ليؤلّف رأس المال المالي.
وهذه المرحلة الجديدة هي الإمبريالية "أعلى مراحل الرأسمالية"، التي ليست سوى تطور واستمرار مباشر للمرحلة التنافسية، لمّا بلغت في تطورها درجة معينة أصبحت فيها "أخص خصائص الرأسمالية" تتحول إلى نقيضها "عندما تكونت وظهرت على طول الجبهة كلها سمات مرحلة انتقالية من الرأسمالية إلى نظام اقتصادي اجتماعي أعلى"، "فالمزاحمة الحرة هي أخص خصائص الرأسمالية والإنتاج البضاعي بوجه عام، والاحتكار هو نقيض المزاحمة الحرة المباشر"، "فالاحتكار هو انتقال من الرأسمالية إلى نظام أعلى".
وهكذا أصبح الاحتكار "الوطني" مدفعية رأس المال الإمبريالي لكسر الحصون القديمة في العالم وغزو جميع بلدانه وتقاسم النفوذ فيه. ودخل بالعالم مرحلة جديدة، مرحلة "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية".
واصلت الرأسمالية تطورها وتجاوزت "مرحلتها العليا" لتدخل مرحلة أعلى، من التي سبقتها، ذات صبغة عالمية جلية تسمى "العولمة"، فتكونت تروستات عالمية على استعداد لابتلاع الكيانات القومية والقطرية وهي بصدد القيام بذلك تدريجيا.
بلغت الرأسمالية طورا جديدا أضحى في ظله الاحتكار "عالميا"، بعد أن خرج من حدوده "الوطنية" واتحد "بجنسياته" المتعددة في شكل تروستات عالمية عابرة "للأوطان" والقارات.
لقد دفعت العولمة جميع البلدان إلى مزيد الترابط والوحدة وجعلتها في تجمعات كبرى تتماشى وحجم الاحتكارت العالمية وقدرتها على الاستثمار والاستغلال. ووحّدت أوروبا في كيان موحد، على الأقل، اقتصاديا وماليا والى حد ما عسكريا وسياسيا. وهي تدفع المنطقة العربية، أيضا، إلى التجمع في سوق واحدة أو سوقين على أقصى تقدير في ارتباط وثيق بأوروبا الموحدة وبالولايات المتحدة الأمريكية. وفرضت على الأسواق الوطنية أن تخضع لقانون السوق العالمية وعلى اقتصاديات جميع البلدان أن تلبي حاجيات هذه الأخيرة.
وهكذا فرضت الرأسمالية نمطها ومنطقها على جميع البلدان، بما فيها البلدان الأكثر تخلفا. ولم تفلت من قبضتها أي رقعة على وجه الكرة الأرضية. وأضحى "الاحتكار العالمي" يلعب دور مدفعية الرأسمال المعولم لكسر حصون الحدود التي فرضها "الاحتكار الوطني" وبقايا الحصون القديمة، للهيمنة على العالم بشكل لا يقبل التقاسم.
2
التغييرات التي أحدثتها الرأسمالية في طور العولمة على الطبقات
غزت الرأسمالية جميع أنحاء الكرة الأرضية وصبغت الإنتاج والتوزيع والاستهلاك بصبغة "كسموبوليتية" فنزعت عن الصناعة أساسها الوطني وولّدت حاجات جديدة بدل الحاجات القديمة وفرضت نمطا استهلاكيا حول الإنسان إلى سلعة ومنحت رأس المال حرية الحركة والاستيطان بعد أن أزالت من أمامه كل العراقيل والحواجز القانونية والسياسية والجمروكية والقومية وبعد أن حققت ثورات علمية وتكنولوجية واتصالية وإعلامية أحدثت انقلابا كليا في جميع المجالات.
وكان لهذه التحولات انعكاساتها المباشرة على أساليب وعلاقات الإنتاج التي شهدت تحولات مذهلة، حتى أنها حولت العلم والمعرفة إلى وسيلة إنتاج، مما أحدث تغييرات أساسية وأخرى جوهرية على بنية الطبقات الاجتماعية، بما في ذلك الطبقة العاملة. لقد أصبحت علاقات الإنتاج "الوطنية"، التي كانت تمثل دائرة فعل رأس المال "الوطني"، علاقات إنتاج "عالمية" تمثل دائرة فعل الرأسمال "العالمي" أو"الرأسمال المعولم".
فالبورجوازية التي تعاظمت ثروتها بشكل خيالي يعبر عن نفسه عبر ميلاد طبقة بورجوازية عالمية جديدة ترتبط مصالحها بالشركات متعددة الجنسية وبالرأسمال المالي المعولم. ووجدت في الـG8، قيادتها الاقتصادية والسياسية وفي البنك العالمي وصندوق النقد الدولي السلطة المالية على النطاق العالمي وفي منظمة التجارة الدولية كاسحة الثلوج أمام حرية تنقل البضائع وفي الولايات المتحدة الأمريكية الجندرمي العالمي.
ولدت حركة تركز وتمركز رأس المال على مستوى دولي نموا هائلا للاحتكارات العالمية، الشركات متعددة الجنسية، التي أصبحت تشكل القاعدة الأساسية للاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتراكما لم يسبق له مثيل للثروة بين أيدي أقلية احتكارية عالمية، قابله انكماش وتراجع واضح في حجم الطبقات البورجوازية المحلية التي عجزت على مواكبة النسق الذي فرضته شقيقتها "المعولمة" عليها فلم تجد مكانها في إعادة تقسيم العمل على مستوى دولي. مما أدى بشرائح منها إلى الانحدار الطبقي والبعض الآخر إلى التفقر والإفلاس. ورغم القلق والضيم الذي تعيشه فإن أغلب مكوناتها تسعى إلى اللحاق بركب العولمة تأمينا لمصالحها وحماية لها.
لقد مكنت العولمة البورجوازية العالمية من قيادة اقتصادية وعسكرية وسياسية وحدت صفوفها أكثر من ذي قبل، لكنها جعلت التنافر المصلحي بين الكبار يأخذ أحجاما بإمكانها أن تحول كل منافسة محلية إلى صراع على مستوى دولي وكل نزاع محدود إلى نزاع شامل. وهذه الظاهرة مازالت في طور النضج لأن القوى العسكرية المتقابلة للكبار لم تبلغ مستوى من التقارب يخول لها اختيار الحل العسكري أمام أي منافسة أو نزاع ذي شأن.
أما الطبقة العاملة فقد تزعزع بنيانها القديم عن طريق مرونة التشغيل و"تنحيف" المؤسسات والعمل عن بعد، بحيث أحيلت قطاعات بأكملها على البطالة وألحقت أخرى بأصحاب المشاريع الصغرى والمتوسطة. وليس هذا فقط، بل بدأت تتخلى عن بدلتها الزرقاء لتعوضها بالبيضاء. وزيادة على ذلك فقد أصبحت تعمل في مؤسسات "شبحية" هدفها تحقيق أقصى الربح، كما تواجه طبقة "نكرة" عالمية بالإضافة إلى"الوطنية". وهو وضع له تأثيره المباشر على نضال الطبقة العاملة وأساليبه وشعاراته وعلى أشكال تنظمها النقابي والسياسي.
وأصبحت الشعوب والأمم الضعيفة مهددة بالابتلاع، وتكثفت الاملاءات بجميع أنواعها وفي مختلف المجالات، وعلى الأخص الاقتصادية والسياسية، حتى أن مجالات السيادة الوطنية بصدد التقلص، زيادة على الغزو الثقافي والإعلامي والمعلوماتي الذي رافق الثورة العلمية والتقنية.
وفي إطار التطور الواقعي للطبقات، على النطاقين الوطني والعالمي، ولميزان القوى بينها، ظهرت إمكانيات واقعية في عصر الرأسمالية التنافسية للثورة في مجموعة من البلدان. لقد ظهرت في عصر "الإحتكارات الوطنية" إمكانيات واقعية للثورة في بلد واحد، ولتوأمها الاشتراكية في بلد واحد، كنتيجة لانفصال الحلقة الأضعف من السلسلة الإمبريالية التي تتجمع فيها التناقضات الوطنية والطبقية. وبمرور الرأسمالية إلى طور أعلى ودخولها، عصر العولمة الذي بصدد إدماج جميع البلدان في أطر إقليمية، توفرت أكثر فأكثر إمكانيات للثورة في عدة بلدان دون أن تلغي انفصال الحلقة الأضعف- التي بإمكانها أن تأخذ صبغة وطنية وإقليمية.
لكن، ينبغي أن نعي أن كل نقلة نوعية في بنية الطبقات وفي العلاقة القائمة بينها أو في المرور من مرحلة تاريخية إلى أخرى، يفرض إعادة صياغة مجمل القضايا النظرية والسياسية برمتها وأساليب النضال الطبقي، في سائر المجتمعات. لذلك، فإن دخول الرأسمالية مرحلة العولمة و"عودة" البلدان الشرقية إلى الرأسمالية وانتصار النمط النيوليبيرالي على النطاق العالمي، يعيد طرح قضايا الثورة برمتها من جديد. كما كان الشأن، لما أضحت الرأسمالية تشكيلة اقتصادية واجتماعية سائدة في "المجتمعات المتحضرة" ولمّا بلغت الرأسمالية "مرحلتها العليا" الإمبريالية.
إن إعادة طرح قضايا الثورة الاجتماعية، في مفهومها الشامل، من جديد، بمختلف جوانبها الإستراتيجية والتكتيكية، بقواها وأهدافها وميادين فعلها، أي في بلد واحد أو في عدة بلدان، لا يعني أن الطبقات، بما فيها طبقتا العصر الطبقة العاملة والطبقة البورجوازية، رغم التغييرات التي شهدتها، قد تخلت عن موقعها الموضوعي وعن دورها التاريخي.
فالطبقة العاملة تبقى، من الزاوية التاريخية، صاحبة مشروع التحولات النوعية القادمة بعد أن أنجزت البورجوازية ثورتها الرأسمالية وجعلت منها نمطا سائدا في البلدان المتقدمة ثم في العالم بأسره.
وبصورة عامة فإن صيرورة الحياة الاقتصادية التي نشهدها راهنا على النطاق العالمي تجري على قاعدة إعادة إنتاج أوسع فأوسع للطبقتين الرئيسيتين الطبقة العاملة العالمية والبورجوازية العالمية. وعلى هذا النحو تتقابل الطبقتان في صراع مصلحي أممي بين مجموعة ضيقة من مالكي وسائل الإنتاج الاجتماعية الذين يحتكرون الثروة لصالحهم والثانية أغلبية منتجي الثروة التي لا تحصل إلا على ما يمكنها من إعادة إنتاج ذاتها والحفاظ على استمراريتها وبقائها والتي لا تملك وسائل الإنتاج الاجتماعية.
لذلك تبوأت الطبقة العاملة مقام الناطق باسم جميع الكادحين والشعب، وباسم الوطن الذي تجاوز هذه المرة حدود قطعة الأرض التي يملكها الفلاح الصغير إلى "القرية العالمية". إن الطبقة العاملة العالمية، وهي تدافع عن مصالحها الخاصة، أخذت على عاتقها مهمة الدفاع عن مصالح الشغالين، كما أنها وهي تكافح من أجل تحررها النهائي من كل أشكال الاستغلال والاضطهاد، أخذت على عاتقها مهمة تحرير المجتمع بأسره.
3
التغييرات الحاصلة في التناقضات الأساسية للمجتمع الرأسمالي
إن دراسة المجتمع الرأسمالي دراسة علمية وفهم تناقضاته والتعامل معها بما تفرضه صيرورة تطورها، هي التي تسمح لنا بتحديد صيغة معينة للثورة العالمية في عصر العولمة وبقدر أرقى من الوضوح في التطلع إلى آفاق المستقبل.
كانت المرحلة التنافسية محكومة بالتناقضات الأساسية التالية :
- التناقض بين البورجوازية والبروليتاريا(على مستوى وطني).
- التناقض بين البورجوازية والإقطاعية.
- التناقض بين البلدان المستعمرة والمستعمرات.
- التناقض بين البلدان الرأسمالية المتقدمة نفسها.
وبما أن المرحلة الإمبريالية حولت الإضطهاد القومي إلى ظاهرة عالمية لمّا أنهت البلدان الرأسمالية الكبيرة عملية اقتسام الكرة الأرضية فيما بينها، وظهرت أول دولة اشتراكية، تجلى تناقض جديد لم يكن قائما في المرحلة السابقة، التناقض بين النظام الإشتراكي والنظام الرأسمالي. وهكذا أصبحت التناقضات العالمية في صغتها الجديدة كالآتي :
- التناقض بين البورجوازية والبروليتاريا.
- التناقض بين الإمبريالية والشعوب والأمم المضطهدة.
- التناقض بين الدول الإمبريالية.
- التناقض بين الرأسمالية والاشتراكية.
وأخذا بعين الاعتبار التحولات الكبرى التي يشهدها عالمنا راهنا فقد أصبحت التناقضات التي تميز عصرنا كالآتي :
- التناقض بين البورجوازية والطبقة العاملة
- التناقض بين الإمبريالية (الجماعية والفردية) والشعوب والأمم المضطهدة.
- التناقض بين البورجوازية "المعولمة" والبروليتاريا العالمية.
- التناقض بين الدول الإمبريالية والشركات متعددة الجنسيات فيما بينها.
وإذا استثنينا التناقض الثاني الذي يعرف، من حين لآخر، شيئا من الاحتدام في هذا الموطن أو ذاك، فإن البقية في حالة ركود أو هي في طور صراع سلمي، تأخذ صيغا اقتصادية وفكرية وديبلوماسية وسياسية.
وتدفع العولمة النيوليبيرالية بهذه التناقضات إلى أقصاها، أي أنها تنضّج الظروف الملائمة لحلها وشروط تجاوزها.
وقد يحدث أن يشهد واحد، أو أكثر، منها احتدادا خاصا، فيدخل تغييرات أساسية في الواقع الموضوعي. لكنّها إذا لم تكن ناضجة بدرجة تسمح لها بتحقيق نقلة نوعية، فإنها تفرض منطقها على القفزات غير الناضجة التي تحققت في ظروف تاريخية جد استثنائية، فتعيدها إلى سياق الصيرورة الأصلي.
4
آفاق الثورة العالمية وإشكاليات المرور
من الرأسمالية إلى الاشتراكية
إن التناقضات التي تطبع عصرنا الراهن، بحكم بعدها الكوني، من شأنها أن تضع الثورات الآتية في سياقها العام، أي أنها سوف تأخذ بعدا عالميا، دون أن تستثني الأبعاد الوطنية. لذلك فإن الرأسمالية، وهي سائرة في طريق تطورها الخاص، تقرب أكثر فأكثر ساعة المرور إلى الاشتراكية على النطاق العالمي. ولذلك أيضا فإن العولمة تضعنا في مقام أفضل من مرحلة "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية"، من الزاوية التاريخية، للمرور من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
لقد أحالنا التاريخ العالمي، إلى حد الآن، على نمط واحد من الثورات، أي الثورة في بلد واحد وعلى نمطين من إمكانية بناء الاشتراكية، في بلد واحد وفي عدّة بلدان، فالثورة الروسية اضطرت أن تبني الاشتراكية منفردة في حين أن بلدان أوروبا الشرقية، على سبيل الذكر، وجدت المساعدة من قبل الإتحاد السوفياتي والكوميكون ينظم التعاون فيما بينها.
إن الترابط الذي ينشأ ويتعزز يوما بعد يوم، بين عدد من البلدان في إطار تجمعات إقليمية، تتماشى والأحجام الاقتصادية العملاقة التي تفرضها العولمة، يعمّق البعد الأممي لنضال الطبقة العاملة. ويتّسم نضالها، في جميع أوجهه، بهذه السّمة.
لذلك تأخذ الثورات في عصر العولمة، بعدا عالميا لا شك فيها، تكرّسه إمكانية تحققها في عدد من البلدان وفي بلد واحد.
إن صيرورة الثورة العالمية معقّدة وليست في صالح الطبقة العاملة، حيث أن الثورات حدثت في بلدان متخلفة، أي في بلدان لم تكن مهيأة للاشتراكية بالمعنى العلمي للكلمة، في حين ظلت البلدان الرأسمالية المتقدمة، التي كانت مهيأة موضوعيا للاشتراكية، تحت هيمنة البورجوازية. وهو وضع موضوعي مثّل عائقا جدّيا أمام نجاح تجاربها.
توجد فوارق أساسية بين أن تنتصر الثورة في بلد واحد أو عدة بلدان متقدمة تمتلك "ناصية منجزات العصر البورجوازي وتستحوذ على السوق العالمية والقوى المنتجة المعاصرة وتخضعها لرقابة مشتركة تمارسها أكثر الشعوب طليعية" وبين أن تحدث في بلد "في طريق النمو" أو متخلف أو في عدة بلدان من هذا الصنف، تكون، إذا ما انتصرت، محاصرة وتفتقد للمقومات الأساسية لإقامة اقتصاد متقدم ومتطور.
وتتجلى هذه الفوارق الأساسية في نسق السّير نحو الاشتراكية من صنف إلى آخر. إذ تتوفر للصنف الأول ضمانات كافية للنجاح، يمكن أن يحوّلها في ظرف وجيز إلى قاطرة للحضارة العالمية، في حين يختلف الأمر بالنسبة للصنف الثاني بحيث تكون الاشتراكية مجبرة على أن تسير عبر تعرجات فريدة تتشابك فيها المهام البورجوازية، الوطنية والديمقراطية، بالمهام الاشتراكية، بحيث تجبر الطبقة العاملة على الاعتماد أكثر على سلطتها السياسية للرّفع من المستوى المادي والثقافي والحضاري للمجتمع بأسره.
إن الاشتراكية، باعتبارها نظاما إنسانيا قائما على العدالة الاجتماعية والديمقراطية والتقدم والرقي وتمثل أرقى ما وصلت إليه الإنسانية، على جميع الأصعدة، تتطلب مقومات وأسسا وقدرات ووسائل متفوقة على الرأسمالية من كل وجه، سواء من زاوية تأمين الوفرة والرخاء أو الارتقاء الثقافي والعلمي والمعرفي والحضاري والسياسي والاجتماعي، من أجل إشباع حاجات الإنسان المادية والروحية، تطبيقا لشعار :
"من كل حسب قدرته ولكل حسب عمله"
لكنها تبقى عاجزة على التخلص من عدم المساواة في توزيع مواد الاستهلاك التي تظل خاضعة "للتوزيع حسب العمل".
ولمّا تتعاظم الثروة الاجتماعية بشكل تصبح معه الوفرة معطى واقعيا ويتطابق نمط تملك وسائل الإنتاج والثروة مع الطابع الاجتماعي للعمل والإنتاج وتصبح قوى الإنتاج تتطور باطراد دون عائق يذكر، عندها فقط، يمكن للإنسانية أن تتجاوز الأفق المحدود للحق البورجوازي ويمكن للمجتمع أن يكتب على يافطته:
"من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته".
إن نجاح الثورة الاشتراكية في أي بلد لا يمكن اعتباره نجاحا إذا لم يفتح على نظام جديد أرقى من النظام القديم. وكون هذه الثورة حصلت في بلد متقدم أو متخلف فلا ينبغي إيقافها عن سيرها وترقب نجاحها في بلدان أخرى ثم تنطلق عملية البناء الاشتراكي. فالمجتمع المنسلخ من الرأسمالية، وهو يقطع هذه الخطوة يتقدم بمشروعه للشغيلة العالمية ويضع حجر الأساس لبناء صرح حضارة جديدة تتحقق فيها إنسانية الإنسان.
لذلك فإن أهم ما سيميزه ليس التطور الاقتصادي فقط بل العمل على توفير الشروط الموضوعية والذاتية لخلق كائنه الاقتصادي، الإنسان المنسجم مع هذا التطور، والثقافة العالية المشاعة والوعي المتقدم والمقاربة الحضارية والإنسانية.
وبهذه الطريقة سوف يتحرر الإنسان من الحواجز المحلية والقومية ليصبح على صلة بالإنتاج المادي والفكري على النطاق العالمي فيخرج من إطار الشكل الطبيعي للمصلحة الخاصة والمصلحة العامة إلى "الإشراف والسيطرة الواعية" على علاقات الإنتاج. ومما لا شك فيه أن التعاضد الأممي بين الطبقة العاملة والشعوب يأخذ طابعا إيديولوجيا واستراتيجيا صريحا لمّا يصبح للطبقة العاملة العالمية جهازها السياسي الخاص، أي تنظيمها الأممي.
الأسباب الجوهرية لفشل التجربة الاشتراكية
إن التطور الذي تشهده المجتمعات هو نتاج تناقضاتها الأساسية العامة والخاصة بكل مرحلة وطور من أطوار الصراع الطبقي. وأن التغيّرات التي قد تطرأ عليها، في مراحل التراجع وارتداد الصيرورة الثورية، لا يعني تلاشي التناقض بين الأضداد المولّد للحركة، بل يعني عودتها إلى مسارها التاريخي الأصلي، من مواقع أرقى، وهو أمر نابع من حركة التناقضات الطبقية ذاتها ومن الفعل الخاص لقطبيها.
وفي إطار هذه الصيرورة بالذات انتصرت كمونة باريس ثم انهزمت، وانتصرت ثورة أكتوبر وحاولت بناء الاشتراكية غير أنها فشلت، والشأن نفسه بالنسبة للثورة الصينية، ذات الطابع الوطني البارز، وبلدان أوروبا الشرقية وألبانيا.
1
الإطار الموضوعي للصراع الطبقي في الاتحاد السوفياتي
كانت ثورة أكتوبر، تاريخيا، بمثابة محاولة أقدمت عليها الطبقة العاملة لأخذ مصيرها ومصير الإنسانية بيدها. لقد كانت أوضاع روسيا متخلفة، حيث أن نمط الإنتاج الرأسمالي مازال مكبلا بأنماط الإنتاج الماقبل رأسمالية وبوجه خاص الإقطاعية. وقوى الإنتاج مازالت ضعيفة ووسائل الإنتاج متخلفة ولا تشابه في شيء المستوى الذي بلغته البلدان الرأسمالية المتقدمة. ولم يكن عدد العمال الصناعيين قد تجاوز المليوني عامل، وظل 80% من الروس فلاحين أو مرتبطين بالفلاحة. ويخيّم، على الجماهير الشعبية وعلى المجتمع بأسره، الجهل والأمية وانعدام الخبرة المدنية والسياسية والإدارية، الشيء الذي يقف عائقا أمام قطع خطوة جديدة حاسمة في اتجاه الاشتراكية.
حملت الثورة الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين إلى مركز الأحداث في التاريخ العالمي ودفعتها بقوة هائلة جعلتها تطوي مراحل تاريخية كبرى من التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والمدني والحضاري لتضعها مباشرة أمام مهمة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، دون أن تكون مدركة للشروط الموضوعية لنسق إنجاز هذه المهمة في بلد متخلف.
لذلك، وبروح برغماتية التجأت إلى التغيير من فوق عن طريق الدولة، التي أعادت بناء أجهزتها بالاعتماد على رجالات الدولة القيصرية في الإدارة والجيش وفي تنظيم الحياة الاقتصادية وإدارة المؤسسات، مما جعلها مسكونة بالماضي أكثر من كونها تمثل الحاضر الثوري.
وتجلى ذلك بكل وضوح في عملية إعادة الإنتاج التي تعيد إنتاج ما هو سائد، بشكل أوسع، أي علاقات الإنتاج والطبقات وعلاقتها بوسائل الإنتاج.
وبما أن بناء الاشتراكية يفترض بالضرورة الاعتماد على منجزات الرأسمالية الأكثر تطورا وتقدما كي تتوفر الإمكانيات الفعلية لبلوغ مستوى أرقى على جميع الأصعدة، وبصورة خاصة، في مستوى البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والعلمية، يسمح بإنتاجية عالية ووفرة تحقق رفاه النّاس وتسمح بإعادة صياغة علاقاتهم وتفكيرهم، وبالنظر للتخلف الذي كانت عليه روسيا، فقد كان من المستحيل على الطبقة العاملة أن تجعل من نمط الإنتاج الإشتراكي نمطا مهيمنا، كي تجري إعادة إنتاجه بصورة موسعة.
لذلك فإن، إعادة الإنتاج، كانت تعيد إنتاج العلاقات الرأسمالية السائدة. وهو الإطار الموضوعي الذي كان يدور فيه الصراع الطبقي في الإتحاد السيوفياتي إبان ثورة أكتوبر. فوجدت الطبقة العاملة نفسها مكبلة ومثقلة بالماضي وظلت الثورة تراوح في مكانها، إلى أن فتح أمامها لينين إمكانية، وليست أكثر من إمكانية، للتطور والارتقاء تدريجيا في اتجاه المجتمع الاشتراكي المنشود، لما وضع أمامها عقدا وفاقيا للتطور في إطار تنافسي سلمي بين الطريق الرأسمالية والطريق الاشتراكية، تمثله السياسة الاقتصادية الجديدة "الناب".
وطالما أن التحول الاشتراكي لم يحصل، على الوجه الأكمل، فإن الرأسمالية لن تكف عن التطور سعة وعمقا، فتسعى دائما إلى إعادة بسط نفوذها في المواقع التي خسرتها أو التي لم تجعلها على صورتها بعد.
وظل الصراع بين الطريق الاشتراكية والطريق الرأسمالية قائما إلى أن حسم نهائيا لفائدة الثانية مع "الانعطافة الكبرى"، في 1927.
2
الظروف الموضوعية لبقرطة الحزب البلشفي والدولة السوفياتية
رفعت الظروف، النادرة جدا، الطبقة العاملة الروسية إلى السلطة، ولم يكن عدد العمال الصناعيين فيها قد تجاوز المليونين، من بين 135 مليون ساكن، زيادة على تفشي الجهل والأمّية بين صفوفها وعلى محدودية تجربتها النقابية والسياسية. وكان الحزب البلشفي يحضى لديها بالثّقة والنفوذ المعنوي والسياسي، وكان له من الوضوح والخبرة والجرأة والتصميم والتنظيم ما مكّنه من أن يكون الفاعل الرئيسي في الأحداث، مسنودا بطبقة ثورية نادرة، جرّت إليها طبقة الفلاحين الواسعة، فتحولت إلى قوة لا تقهر. وكان عدد أعضاء الحزب البلشفي لا يتجاوز الـ 23 ألف، يتواجدون في المدن الرئيسية، وعلاقاتهم بالفلاحين ضعيفة إذا لم تكن منعدمة في أغلب الأحيان.
وفي مثل هذه الظروف، وجد الحزب البلشفي نفسه منفردا في السلطة، ومطالبا بإعادة بناء الدولة التي قرر حل مختلف أجهزتها من إدارة وأمن وجيش ووزارات ودواوين ومحاكم....الخ، وبخوض حرب أهلية ضارية ومواجهة حرب عدوانية من قبل الدول الإمبريالية الغازية، وبإعادة بناء الاقتصاد وتنظيم المجتمع وتلبية حاجيات الناس الملحة...الخ.
وفي نفس الوقت طرحت عليه الأوضاع بكليتها قضايا فكرية ونظرية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعسكرية، عالجها بالنقاش المفتوح والحر، وتمكن من تجاوز العديد من الصعوبات والعقبات، وبقيت أخرى.
لقد اضطرته الأوضاع أيضا أن يكون برغماتيا من أجل تلبية حاجات النّاس والسعي إلى المضي قدما في اتجاه البناء الاشتراكي الذي طالما شدّ الجماهير إليه. فدفعه ضعفه العددي وعدم تواجده في الريف تقريبا إلى التعويل على النشطاء الحزبيين لمركزة الجهاز الحزبي وجهاز الدولة والجهاز الاقتصادي في الوقت نفسه، من أجل تحقيق المهام المطروحة على السلطة الناشئة.
وباختصار فإن الضرورة التاريخية التي حتّمها التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، حكمت على الحزب البلشفي، بأن تكون الخطوة الأولى التي قطعها على مسرح التاريخ العالمي قائمة على دمج جهاز الحزب بأجهزة الدولة، الشيء الذي كان له أثره البالغ في تحديد مصيره السياسي ومستقبل الثورة والاشتراكية. فكانت الخطوة الأولى نحو بقرطته فعليا. ولم تكن مقررات المؤتمر10 غير تشريع واقع بصدد الانتصاب وتبرير حدوثه إيديولوجيا لدى عموم المناضلين.
أما عن الدولة السوفياتية، فعلى الرغم من أن الثورة مكّنتها من إنشاء أجهزتها الخاصة "السوفياتات"، فقد فقدت تدريجيا دورها كسلطة للعمال والفلاحين أمام الأجهزة الإدارية والفنّية والاقتصادية والجيش والأمن، لأنها استنجدت بموظفي الدولة القيصرية وخبرائها وبالعناصر البورجوازية أصحاب الخبرات في جميع المجالات، لتعيد بناء إدارتها وأجهزتها، التي هي بطبيعتها أجهزة بيروقراطية للدولة. لذلك لم تشهد الإدارة السوفياتية أي تثوير، رغم قرار السلطة القاضي بحلّها وتعويضها بالسوفيات، لكنها سرعان ما عادت لتهيمن بسهولة على بقية الأجهزة المحدثة وتفرض عليها نسقها.
وفقدت السوفياتات ديناميتها تدريجيا، لمّا أصبحت اجتماعاتها شكليّة، لاستبعادها عن سلطة القرار، ولمّا ابتلعت الوظائف العناصر الطلائعية من العمال وأغلب إطارات الحزب البلشفي ومناضليه، وتحولت إلى مجرّد تابع للحزب- الإدارة أو الحزب- الدولة. وهكذا أخذت طريقها للتكلّس والبقرطة.
وفي هذا الإطار تضخم جهاز الحزب بنسق متسارع لا يسمح له بإعادة تربية منخرطيه الجدد ولا بالتفريق بين العنصر الطليعي من غيره، والشأن نفسه بالنّسبة للدولة التي أصبحت تعتمد على أجهزة أخطبوطية مؤهلة لابتلاع المجتمع.
وبما أن هذه العملية جرت في إطار إخضاع الطبقة العاملة لاسنغلال فائق وتجريدها من كل حقوقها وتعريضها للقمع والاضطهاد الجماهيري والسياسي وتجريد الفلاحين والحرفيين والتجار من وسائل عملهم بالقوة وإجبارهم على الدخول في تعاونيات، فقد ولّدت خلافات داخل الحزب والدولة، حسمت بالمحاكمات والقمع ومصادرة الحريات العامة والفردية.
وكان هذا الأسلوب في الحسم، هو الذي حول الخلافات من ظاهرة طبيعية إلى أزمة فعلية، عبّرت عن نفسها في قصور الديمقراطية البروليتارية، كما هي مفهومة وكما هي مطبقة في إدارة الدولة والمجتمع وفي كيفية التعامل مع الرأي المخالف، مما جعلها عاجزة على أن تظهر تفوقها على الديمقراطية البورجوازية وأن تكون تجاوزا لها في أي مستوى كان، مما أفقدها رصيد الثّقة والإشعاع الذي كانت تتمتّع به لدى الشعوب والرأي العام العالمي.
3
الإطار الإيديولوجي والسياسي للصراع
بين
الطريق الاشتراكية والطريق الرأسمالية
يدلنا الفشل المتكرر على أن هذه التجربة قادتها، منذ أواسط العشرينات من القرن الماضي، توجهات نظرية وإيديولوجية وسياسية جعلت من الماركسية والاشتراكية العلمية عقيدة جامدة صالحة لكل زمان ومكان، تماما كالدين، تكفر كل من اجتهد فيها. وانحدرت بها في العديد من مقولاتها الأساسية إلى الاقتصادوية، نخص بالذكر منها:
أ- "أسبقيّة تطوّر قوى الإنتاج على علاقات الإنتاج"، التي جعلت من تطور قوى الإنتاج "محرك التاريخ"، وأدت إلى القول بأن الطبقات في الإتحاد السوفياتي "في طور الذوبان" مع انتهاء التضادّ بينها. وعلى أساس هذا المفهوم أصبح مطروحا على الطبقة العاملة السوفياتية، كي يتسنى لها بناء الاشتراكية، أن تعالج مسألة تطوير الإنتاج في أسرع وقت ممكن. فكان شعارات: "التقنية تقرر كل شيء" و"لنلحق بالبلدان الرأسمالية الأكثر تقدما ونتجاوزها" و"الإطارات يقررون كل شيء" و"إن العامل المحدد في البناء الإشتراكي هي الصناعة الثقيلة" وإن "الضيعات الكبرى توفر إنتاجية أعلى" لذلك ينبغي مشركة الفلاحة في أسرع وقت ممكن باعتبارها الأساس الذي يبنى عليه صرح الاشتراكية.
ب- الخلط بين الأشكال القانونية للملكية والعلاقة بين الطبقات في ظل الدولة السوفياتية، بحيث ساد الاعتقاد أنه بمجرد أن تمّت الإطاحة بالبورجوازية و"تجميع" الفلاحين في ضيعات كبيرة وتأميم الصناعة والبنوك والتجارة، تحققت الإشتراكية وزالت الفوارق بين الطبقات "الصديقة".
ج- "المجتمع الإشتراكي هو مجتمع دون طبقات ودون دولة"
د - إن الدولة في ظل الإشتراكية تكف عن كونها وليدة العلاقات الطبقية في المجتمع بل تصبح نتيجة سبب خارجي، متمثّل في الحصار الرّأسمالي.
هـ - التخطيط يعادل الإشتراكية والفوضى تعادل الرأسمالية.
و - "الإشتراكية في بلد واحد" و"الشيوعية في بلد واحد".
ز- "الإشتراكية هي المرحلة التي تلي مباشرة رأسمالية الدولة".
ص- "يغيب فعل قانون القيمة في ظل الإشتراكية".
وكما هو معلوم أن هذه الأطروحات والشعارات والعقلية لم تتواجد في الإتحاد السوفياتي فقط، بل أصبحت، عن طريق الأممية الثالثة، المرجع العام للحركة الشيوعية العالمية.
ويدلنا الفشل المتكرر للتجربة الشيوعية والاشتراكية على أن النمطية والمثال المرجع، كان يتعلق أيضا بنمط الحزب وأساليب تنظيمه ونضاله. وقد حدث ذلك بصفة مبكرة، أي منذ المؤتمرات الأولى للأممية الشيوعية، تحت شعار "بلشفة" أحزاب الأممية الثالثة.
وبعد الحرب العالمية الثانية وظهور الديمقراطيات الشعبية، أصبح النموذج السوفياتي في البناء الاشتراكي وفي التنمية مرجعا للكتلة الشرقية.
ورافقت التأويلات التبسيطية للشيوعية، نزعات إرادوية وغير واقعية في التعامل مع الواقع، كانت نشأت في مراحل الاندفاع الثوري الذي هزّ روسيا بأكملها في العديد من المناسبات وأدى في النهاية إلى انتصار الجمهورية في فيفري 1917. وقد تمكنت هذه النزعات من الذهنية العامة للحركة الاشتراكية الروسية والعالمية، حيث ساد الاعتقاد لديها أن "انتصار الثورة البروليتارية مضمون في العالم أجمع" وأن "شكل الجمهورية السوفياتية الأممية يسير قدما" وأن "النظام الرأسمالي ينهار"، ممّا جعلها تتبع سياسات وتكتيكات يسراوية في الأساس.
وبنفس الارادوية تناولت قضايا البناء الاشتراكي والصراع بين الطريقين الرأسمالية والاشتراكية، وتعاملت مع القوانين والمقولات الاقتصادية، بما فيها قانون القيمة وقوانين السوق والصراع الطبقي. فقد تمت "مشركة" الصناعة والفلاحة والتجارة في بضع سنوات، محدثة انقلابا اجتماعيا رهيبا، دون مراعاة استعداد الطبقة العاملة والشعوب السوفياتية إلى تحمّل تبعات مثل تلك الخطط والتوجّهات، ظنّا من البلاشفة أنّهم يؤهلون بلادهم، ومن ورائها الإنسانية جمعاء، لدخول عصر الاشتراكية.
وهكذا ساد الاعتقاد، بما في ذلك في أوساط الحركة الماركسية اللينينية، أن النظام الاشتراكي السوفياتي كان يمثل، قبل "الردة التحريفية"، تجاوزا فعليا للرأسمالية، حسب جميع المقاييس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنظرية والعلمية والتكنولوجية. في حين أنه، لمّا انهارت التجربة، ظهرت المجتمعات والدول، التي كانت محسوبة على الاشتراكية، متخلفة على جميع الأصعدة، باستثناء ميداني التسلح والفضاء لدى الإتحاد السوفياتي.
ولم تتبين أغلب مكونات الحركة الشيوعية العالمية أن المعضلة الحقيقية تكمن في كيفية التعامل مع الفكر الشيوعي إذ اعتبرته نظرية نهائية لا تطولها حركة التغيير الدائمة ولا تضيف لها المعارف العلمية الجديدة شيئا، بحيث يكفي الرجوع إلى ما أتى به "السلف الصالح" كي تجد الإجابات الشافية عن القضايا التي يطرحها عصرنا. ولم تدرك أن الجمود العقائدي هو الذي حكم على الشيوعية وتجربتها بالفشل وأدخلها في أزمة وهو الذي أدى بها إلى التخلف عن مواكبة التطورات الحاصلة في عالمنا المعاصر وتمثّل روح العصر.
وللخروج من هذه الأزمة فإن الحركة الشيوعية مطالبة بتجديد مفاهيمها ومقولاتها النظرية والإيديولوجية واستخلاص الدروس من تجاربها ورفع راية النضال في سبيل الإشتراكية باعتبارها بديلا عن الرأسمالية.
الاشتراكية، البديل عن الرأسمالية
ومنذ أن تحول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى نمط مهيمن في أغلب المجتمعات، وأضحى تطور القوى المنتجة يجري، كل يوم أكثر فأكثر، على الصعيد العالمي، ومنذ أن أصبح الاستغلال والاضطهاد الرأسمالي عالميا يشمل جميع الشعوب والأمم ومجمل الشغيلة العالمية، وأصبحت الثروة مجمعة بين أيدي أقلية قليلة من أصحاب الشركات العملاقة متعددة الجنسية ومن المتحكمين في السوق المالية العالمية، بدأت الشروط الموضوعية للمرور من الرأسمالية إلى الاشتراكية تنضج أكثر من أي وقت مضى.
وبما أن جوهر الاستغلال الرأسمالي يكمن في إنتاج العمال للقيمة المضافة وفي تملك الرأسماليين لها وحدهم، فهو يمثل القانون الجوهريّ للرأسمالية.
إن القيمة المضافة وحدها هي التي تكشف عن المنتجين الحقيقيين للثروة وعن الذين يتملكونها، وتعري حقيقة الانقسام الطبقي في المجتمع، وتدل، في نفس الوقت، على طريق خلاص الطبقة العاملة من الاستغلال، وذلك بتحويل ملكية وسائل الإنتاج الأساسية إلى ملكية اجتماعية وتخليص قوة العمل من صفتها كسلعة. وقتها فقط يمكن الحديث عن نهاية الرأسمالية كظاهرة تاريخية وحلول الاشتراكية محلها.
ومن الطبيعي ألا يتوقف هذا التناقض، بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الفردي للتملك، على الفعل، وألا يجد طريقه إلى الحل إلا لمّا يتم التخلص من نمط التملك الرأسمالي، ويتطابق الطابع الاجتماعي للإنتاج مع الطابع الاجتماعي للتملك.
ومن الطبيعي ألا يحدث مثل هذا التحول، الذي يبدو منطقيا، إلا عن طريق ثورة اجتماعية، كما كان الشأن بالنسبة لأنماط الإنتاج والتشكيلات الاجتماعية السابقة.
وتأسيسا على ما سبق يمكننا القول أن الشيوعية ليست "مثلا أعلى ينبغي للواقع أن يتطابق معه"، بل هي حركة الواقع في تطوره، هذه الحركة السائرة في اتجاه إلغاء الأوضاع القائمة وتعويضها بأخرى تدل عليها حركة السير نفسها، باعتبارها حركة نابعة ممّا هو موجود في الواقع الفعلي وتعتمد عليه في كلية مشروعها وأهدافها.
وخلاصة القول يمكن تحديد المشروع الاشتراكي في عنصرين اثنين:
- تطابق الطابع الاجتماعي للإنتاج مع الطابع الاجتماعي للتملك وتخليص قوة العمل من صفتها كسلعة والتخلص من نمط التملك الرأسمالي.
ـ أن تأخذ الطبقة العاملة السلطة في يدها، كي تتمكن من إعادة بناء المجتمع على صورتها وأن"تنشئ بنشاطها" و"بصورة واعية مقدمات لأجل اضمحلالها بالذات"، بمعنى أنها ستقيم، "في سياق التطور التاريخي"، بدل المجتمع البورجوازي رابطة "تنفي الطبقات وتضادها". لذلك فـ"لن تكون ثمة سلطة سياسية حقا"، لأن الطبقة العاملة تكون قد حققت بوصولها إلى السلطة، انقلابا جذريا في علاقة الدولة بالمجتمع، بحيث تجعل منها "دولة- لا دولة" قابلة للذوبان والابتلاع المعاكس "من قبل المجتمع". وبذلك يكف جسم الدولة على أن يظل غريبا عن الطبقة العاملة وعن الشعب وعن المجتمع. وهو مسار يسهل عملية الانتقال التاريخية من الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية.
إن تحويل سلطة الدولة، بهيئاتها العليا والمحلية، تحويلا جذريا على أساس مبادئ وقيم وقواعد تمكّن من "انتقال السلطة إلى الجماهير الشعبية بالذات التي تنشئ قوتها بالذات عوضا عن قوة مضطهديها"، كي تجعل منها "الشكل السياسي لتحررها الاجتماعي" ولتحرر المجتمع ككل. وتحقّق الطبقة العاملة ذلك عن طريق الاقتراع العام وحق سحب الثقة من أي موظف في الدولة والتداول على المسؤولية وخضوع الهياكل التنفيذية للهياكل التمثيلية وتحديد أجر للموظفين يساوي أجر العامل واستقلالية محلية أكمل وتحويل الجيش إلى جيش شعبي والأمن إلى مشمولات الهيئات المحلية المنتخبة وموظفوه خاضعة لسحب الثقة في أي وقت وهو اتجاه الديمقراطية الأكمل.
وتصاغ هذه التوجهات في صيغ برنامجية خاصة بالوضع الذي يمر به الصراع الطبقي في كل بلد أو في مجموعة من البلدان.
1
العولمة النيوليبيرالية: إمبريالية جماعية بالأساس
لقد طغى الوفاق، في العشرية الأخيرة من القرن الماضي، بين كبريات الدول، وبصورة خاصة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الساعية وقت ذلك إلى الوحدة. لذلك ظهرت "العولمة" بمثابة "إمبريالية جماعية" بقيادة أمريكية، حيث أن أغلب الحروب التي خاضتها الدول الرأسمالية المتقدمة، منذ مطلع التسعينات، ضد شعوب وأمم ضعيفة بغية إخضاعها والسيطرة على خيراتها، كانت تارة باسم الحلف الأطلسي وطورا باسم الأمم المتحدة، ونادرة ما خاضتها أمريكا بمفردها، باسم "المصالح الأمريكية" و"الأمن القومي الأمريكي".
لكن، ومنذ مطلع القرن الحالي، بدأت تظهر خلافات جدّية اقتصادية وثقافية ومالية وسياسية وعسكرية، كان أبرزها الصراع حول حماية المنتجات الفلاحية وحول الثقافة وعلى الأخص الموقف من الحرب على العراق، قابلت بين أمريكا وأوروبا بزعامة فرنسا التي تدعمها ألمانيا.
وكانت أزمة جنوب شرقي آسيا والملف النووي لكوريا الشمالية ولإيران، والأوضاع في الشرق الأوسط، بما فيها احتلال العراق والتحرّش على سوريا وحرب إسرائيل على لبنان، ودخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية واتفاقية النسيج، وتنافس أمريكا والإتحاد الأوروبي على غزو هذه السوق الضخمة، محاور خلاف بين الدول الصناعية، إلا أنها كانت تعالجها داخل الـG8 ومجلس الأمن وإن لزم الأمر بالصراع الديبلوماسي. ولم تخرج قط عن إطار التفاهم والتنازل عند الضرورة.
ومن جهة آسيا ظهرت الصين بمثابة قوة عظمى تبحث على الهيمنة على القارة وتسعى إلى نحت مكانة لها على المستوى الدولي، خاصة وأن أوضاعها الاقتصادية تؤهلها لذلك، إذ حافظت، خلال العشريتين الماضيتين، على نسبة نمو تفوق الـ10%، في الوقت الذي كان فيه اليابان مزاحمها الجدي، يعاني صعوبات مالية وبنكية أثرت على نسب نموه دون أن تغيّر موقعه.
ورغم أن الخلافات في الصف الإمبريالي تحركها مصالح "وطنية" أساسية، إلا أنها لم تتحول إلى مواجهات عسكرية، لسببين أساسيين وهما:
الأول- أن موازين القوى مختلة لصالح أمريكا على جميع الأصعدة بما فيها العسكري، إذ جمّعت من أسلحة تقليدية ونووية ما لم يتجمع لدى أي دولة أو مجموعة من الدول الكبرى في العالم، بما في ذلك الإتحاد الأوروبي.
الثاني- لقد جعلت الشركات العملاقة متعددة الجنسية مصالح الدول الصناعية متشابكة بحيث تجد نفسها عموما مجبرة على إيجاد حل وسط مع منافسيها، ولا تمضي في حل "فردي" إلا نادرا، لمّا تكون قادرة على تحمل تبعاته، كما كان الشأن بالنسبة لأمريكا في غزوها للعراق.
لذلك فإن التناقضات في الصف الإمبريالي، رغم التوترات التي تشهدها من حين لآخر والاستقطابات الظرفية التي تظهر فيها، ليست مؤهلة للتفاقم والانفجار في الغد المنظور.
2
الإمبريالية الأمريكية أخذت شكل إمبراطورية عالمية
كما هو معلوم فإن لأمريكا ما يزيد عن 200 شركة متعددة الجنسية من بين الـ500 الأولى في العالم، وهي تحقق 80% من تجارتها عن طريق الشركات متعددة الجنسية. زيادة على أن ميزانيتها تناهز الـ10 تريليون دولار، وناتجها الداخلي الخام يساوي ربع الناتج العالمي وميزانية دفاعها تعادل تقريبا ميزانية دفاع بقية دول العالم.
إن الاقتصاد الأمريكي، المرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد العالمي والشركات متعددة الجنسية وبالسوق العالمية، لم يعد من النوع التقليدي، موجّه للداخل أو موجّه للخارج كما هو الشأن بالنسبة لاقتصاديات الدول الأخرى، بل أصبح من النمط الكوكبي، أي العالمي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن مثل هذه القوة الاقتصادية العالمية مسنود من قبل قوة عسكرية لا تضاهيها قوة، فهي تمثل القاعدة الموضوعية لتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى إمبراطورية عالمية. وعبّر هذا التحول عن نفسه في نزعة "أمركة العالم" وإعادة صياغته على صورتها.
كان ولا بد لهذه القوة العظمى من إطار إيديولوجي يعطي التبريرات "الكافية" لاختياراتها وتوجهاتها السياسية والعسكرية على الساحة الدولية، جعلت له أساسا في عنصرين إثنين:
الأول: الإيديولوجيا المحافظة الممزوجة بالسلفية المسيحية واليهودية في الصيغة الصهيونية،
والثاني: إيديولوجية القوة، التي تعزّز دورها باعتبارها جندرميا عالميا قادرة على القيام بحربين في نفس الوقت، مؤسسة على العناصر التالية:
1- إن أمريكا هي أقوى دولة في العالم وليس لأحد غيرها أن يقرر في شأن الحرب والسلم في العالم.
2- أنها في حاجة إلى عدو خارجي توجه إليه أنظار الشعب الأمريكي فوجدته في "الإرهاب الإسلامي" و"تنظيم القاعدة"، صنيعتها، وفي "محور الشر"، الذي يتهدد "الأمن القومي الأمريكي" والمصالح الأمريكية التي أضحت عالمية.
3- إتباع استراتيجية عسكرية جديدة تتمثل في "الحروب الوقائية" التي تترجم عن سياسة استفزازية ومثيرة للحرب.
وللحفاظ على مكانتها باعتبارها سيدة للعالم تخصص أمريكا سنويا، لميزانية الدفاع وحدها، حوالي 500 مليار دولار في حين أن أوروبا مجمّعة تصرف فيما بين 160و180 مليار دولار للغرض نفسه.
لهذا السبب بالذات أدخلت العالم، في العديد من المناطق، في ما لا يقل عن الـ10 حروب، للسيطرة على منابع النفط أو لأغراض استراتيجية وجيو- سياسية. فقد استغلت الحرب الأهلية في يوغوسلافيا للتدخل العسكري في أوروبا من أجل احتلال موقع لها في قلب أوروبا وزعزعة الهيمنة الفرنسية- الألمانية على القارة العجوز. وفي إطار "الحرب الوقائية" على الإرهاب وضد "محور الشرّ" أطاحت بنظام الطالبان في أفغانستان، عن طريق تحالف إمبريالي واسع، ثم احتلت العراق بالتحالف مع أنقلترا. وتدخلت في القرن الإفريقي وفي منطقة البحيرات الكبرى والكوت ديفوار... وحاولت في فينيزويلا وأندونيسيا والأرجونتين تغيير نظم الحكم. وموّلت المعارضين في بلدان الإتحاد السوفياتي- سابقا- لتقويض الهيمنة الروسية. وهي بصدد الضغط على كل من إيران وكوريا الشمالية باسم "الملف النووي" وعلى سوريا بدعوى "حمايتها للإرهاب" وما يمثله من خطر على إسرائيل، التي يعد أمنها في مقام "الأمن القومي الأمريكي".
شجعت إسرائيل على خوض حرب لا تنتهي ضد الشعب الفلسطيني تقترف فيها جرائم بالجملة من أجل فرض "كيان" للفلسطينيين على قياسها. ودفعتها، في الآونة الأخيرة، إلى حرب ضد لبنان كانت فيها صاحبة القرار.
تجد إيديولوجية القوة وشوفينية الدولة العظمى التعبير عن نفسها في المجال العسكري الذي يكشف عن الصلف والعنجهية التي تتعامل بها مع الشعوب والأمم والبلدان ذات السيادة. وتجد التعبير عنها أيضا في المجالات الثقافية والسياسية والفكرية وفي روح الأمة الأمريكية. وهي عموما إيديولوجيا توسّعية تبرر اختيارات سياسية استفزازية مثيرة للحرب.
3
العولمة هجوم شامل على الطبقة العاملة
والشعوب والأمم المضطهدة
1
ما أن انتهت مرحلة الدعاية التضليلية التي رافقت "انهيار جدار برلين" حتى تجلّت العولمة النيوليبيرالية على وجهها الحقيقي باعتبارها هجوم شامل للرأسمالية على الطبقة العاملة والشعوب والأمم، إذ أجبرت اقتصاديات أغلب بلدان العالم وعلى الأخص ما يسمى ببلدان "العالم الثالث" على الخضوع الكلي لـ"قانون السوق" وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. فتقلص إسهام هذه الأخيرة في الناتج العالمي الخام وامتصت تقلبات السوق والمديونية ادخارها الوطني والقيمة المضافة الإجتماعية التي حققتها بتضحيات جسام. وتفاقم عجزها المالي والتجاري. وشمل الفساد المعاملات والتجارة والمال والاستثمار. وأصبح الاحتيال والرشوة من الظواهر المألوفة في المجتمع الرأسمالي. وبلغت المافيات في جميع المجالات، شأنا مكّنها من التدخل في حكومات العديد من الدول، المتقدمة والمتخلفة على حد السواء.
ومن التبعات المباشرة للنيوليبيرالية تنامي الفوارق الاجتماعية وتفاقم الفقر والعطالة والبؤس، في البلدان الفقيرة والغنية سوية، بشكل حكم على ما يناهز عن مليار بشر بالعيش تحت حاجز الفقر وعلى أربع مليارات أن تعيش على مشارف الفقر، وينقسم المليار الباقي بين أقلية الثراء الفاحش وأغلبية ميسورة.
وتصاعدت، إلى جانب ذلك، وتيرة استغلال الطبقة العاملة والشعوب عن طريق الترفيع في أنساق العمل وتهميش أجزاء واسعة، في إطار برامج "إعادة الهيكلة" و"تنحيف" المؤسسات أو "نقلها" أين يمكن تحقيق أقصى الرّبح وباعتماد "مرونة التشغيل" والأجور المنخفضة، زيادة على الزيادة في الأسعار والتضخم المالي والتراجع في المكاسب الاجتماعية... إلخ، وتخلي الدولة عن دورها في الخدمات الاجتماعية والتعليم والبحث العلمي والتشغيل والصحة والثقافة والنقل والتخطيط العمراني،....إلخ. وأخذت البطالة أحجاما لم تعرفها إلا في الأزمات الكبرى، وقاربت الأمراض الاجتماعية، في انتشارها، أن تتحول إلى آفات.
2
مثلت العولمة هجوما مركزا على الحريات وحقوق الإنسان حيث عمد اليمين واليمين المتطرف، في البلدان الرأسمالية المتقدمة، باسم مقاومة الإرهاب إلى إذكاء العنصرية ضد المهاجرين، وبصورة خاصة ضد العرب. وارتكبت الجيوش الأمريكية والبريطانية الإسرائيلية جرائم حرب بالجملة في العراق وفلسطين ولبنان دون عقاب. ولم تقم أمريكا وزنا لحقوق الإنسان في غوانتانامو وسجن أبي غريب.
ومثلت العولمة النيوليبيرالية أيضا هجوما على القيم الإنسانية التقدمية وعلى الإيديولوجيات التحررية التي ألهمت الطبقات المستغلة والمضطهدة في نضالها من أجل تحقيق تحررها السياسي والاجتماعي. وكان هذا الهجوم أشد ضراوة على الاشتراكية، خاصة بعد فشل تجربتها وانهيار أنماط التنمية التي مثلتها في العديد من البلدان، حيث شجعت كل مظاهر الانحلال القيمي والأخلاقي والمجتمعي، في صيغة تيارات سلوكية وثقافية وفكرية لا اجتماعية بدعوى "الحضارة الكوسموبوليتية"، وهي تيارات تهدد هوية الشعوب الثقافية والقومية وتدفع إلى المجهول.
ومكنت العولمة النيوليبيرالية التيارات الظلامية والفرق الدينية المتعصبة (في مختلف الأديان) من النشاط بكل حرية ورصدت لها المليارات من الدولارات ومن البيترودولارات كي تغرق الطبقة العاملة والشعوب في متاهات التأويلات اللاهوتية لاستغلالها واضطهادها ومآسيها، وفي أتون الصراعات العرقية والعنصرية والدينية، للتمويه على حقيقة التناقضات الطبقية وعلى الصراع الطبقي والوطني. وروجت لمفاهيم رجعية و"تبشيرية" للمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل يسمح لها بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان وفي حق الشعوب في تقرير مصيرها، ويمكنها من استقطاب وتطويع النخب ومكونات المجتمع المدني، بما في ذلك عن طريق التمويل.
وسمحت العولمة النيوليبيرالية لليمينين الجديد، المتستر بالدين، من قيادة السياسة الدولية عن طريق الإدارة الأمريكية، ولليمين في أوروبا بالعودة إلى السلطة، وللنظم الدكتاتورية والاستبدادية في العديد من دول العالم، وعلى الأخص في البلدان العربية، من البقاء في السلطة. وشجعت الفرق اليمينية المتطرفة والفاشية والنيونازية والصهيونية والإرهابية على إذكاء النّعرات العرقية والعنصرية والدينية بين الجماهير وإشاعة الشعور بالخوف وعدم الأمان فيها.
4
الطبقة العاملة والشعوب والأمم المضطهدة
تدافع عن مصالحها الطبقية والوطنية
1
يؤجج تدهور الأوضاع المادية والمعنوية للناس التناقضات الطبقية ويدفع المتضررين إلى الدفاع عن مصالحهم. لذلك خاضت الطبقة العاملة العالمية والشعوب، خلال السنوات المنقضية، نضالات عارمة، في شكل إضرابات ومواجهات ومسيرات وعصيانات مدنية وتحركات احتجاجية في الشارع واعتصامات، من أجل تحسين أوضاعها وضد الأحزاب اليمينية المتطرفة والفاشية( في النمسا وإيطاليا وفرنسا وألمابيا...الخ). وكانت أهم مظاهر التمرد ضد النيوليبيرالية حدثت في الأرجنتين في انتفاضة "الأواني" ضد الجوع وفي انتفاضة الشعب البوليفي ضد جكومته وفي مناهضة الشعبين البرازيلي والمكسيكي للتفويت في المؤسسات العمومية ذات الصلة بالخدمات الحيوية مثل الماء والكهرباء والتطهير، وفي التحركات المناهضة للعولمة بمناسبة الندوات العالمية وقمم مجموعة الثمانية. وتجلى رفض الشعوب للنزعات الحربية لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل في التحركات المناهضة للحرب التي قامت بها أغلب الشعوب مناصرة للشعب العراقي ومساندة لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وضد الاعتداء على لبنان.
2
يواجه الشعبان العراقي والفلسطيني، وأخيرا الشعب اللبناني، بشراسة الاستعمار الأمريكي - البريطاني والإسرائيلي، بشكل لم يسمح بتنفيذ المخططات الإمبريالية ـ الصهيونية بسهولة، في منطقة الشرق الأوسط، كي تمد يدها إلى سوريا وإيران وتخلص من "محور الشر" وتمرّ إلى محاور أخرى.
وردّت أغلب شعوب أمريكا الجنوبية واللاتينية وفينيزويلا على نزعة الإمبراطورية التحكمية والحربية وعلى النيوليبيرالية بأن رفعت شخصيات وقوى من وسط اليسار إلى السلطة فتكتلت حكوماتها للمطالبة بإرساء علاقات جديدة مع الكبار قوامها التكافؤ وضمان فرص تنمية أكبر للبلدان وطالبت بإدخال تعديلات جدية على برامج الإصلاح الهيكلي ورفضت توصيات البنك العالمي.
وردّ الشعب الإيطالي على اليمين المتحالف مع اليمين المتطرف للشمال بأن رفع وسط اليسار إلى السلطة في الإنتخابات التشريعية الأخيرة وأزاح برلسكوني وبطانته، وكان الناخبون الفرنسيون منحوا الثقة لليسار في الإنتخابات الولائية.
3
ورغم أن الطبقة العاملة والشعوب وجدت نفسها، بعد فشل التجربة الاشتراكية، في حالة من الضياع والحيرة، منجذبة وراء التيارات الدينية، متحصّنة بالعقائد في نضالها الاجتماعي والوطني ومفتونة بالعمل الأقلي والإرهابي الذي تنتهجه بعض المجموعات الدينية، فإن العديد من فصائلها التي تتبنى الاشتراكية العلمية تعمل على تطوير الصراع النظري والسياسي ضد الإيديولوجيات والنظريات الرجعية والظلامية من أجل إعادة الاعتبار للفكر الاشتراكي العلمي وللمنهج المادي الجدلي والمادي التاريخي في تحليل الأشياء والظواهر، وتعمل أيضا على بلورة مخارج عقلانية للصراع الطبقي والوطني، وتعبئ قواها في النضال ضدّ النيوليبيرالية، التي تمثل الهجوم السافر للرأسمال المعولم، وضد التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان والشعوب، من قبل أمريكا وأوروبا، باسم "عالمية حقوق الإنسان" و"مشاريع الإصلاح الديمقراطي". فنشأت ونمت حركة عالمية مناهضة للعولمة النيوليبيرالية، نظمت العديد من التظاهرات، بمناسبة انعقاد اجتماعات الـ"G8" وبعض لقاءات الكبار الأخرى.
5
إلى أين تسير التناقضات الأساسية
للمجتمع الرأسمالي في ظل العولمة؟
تدفع العولمة النيوايبيرالية بتناقضات النظام الرأسمالي، الطبقية والوطنية وفيما بين القوى العظمى، إلى مزيد من التوتّر والاحتدام، حيث كثرت النزاعات بين الكبار في السياسة الدولية وشهدت جميع البلدان تقريبا نضالات عمالية ضد الإجراءات والسياسات المعادية للطبقة العاملة وأخرى شعبية ضد السياسة العدوانية التي تنتهجها الدول الكبرى حيال الشعوب والأمم المضطهدة. وإن قانون التطور اللامتكافئ يجعل هذه التناقضات بفعلها المتكامل تضعف حلقة أو مجموعة حلقات في سلسلة النظام الرأسمالي تؤهلها للانفصال، نحو عالم اشتراكي جديد. ذلك هو الاتجاه العام لتطوّر الأوضاع في السنين المقبلة، وهو اتجاه يهيمن عليه الوفاق بين الدول الـ8 الكبرى ويشتد فيه الهجوم على الطبقة العاملة والشعوب والأمم المضطهدة من أجل إخضاعها ونهب خيراتها وعلى الأخص البلدان النفطية ويتنامى الوعي الطبقي والوطني في النضال ضد العولمة النيوليبيرالية ومن أجل أممية وتعاون وتآخي بين العمال والشعوب والأمم المضطهدة، يلخصه شعار:
"يا عمال العالم اتحدوا !!!"
و"يا شعوب وأمم العالم المضطهدة اتحدوا !!!".
والمسألة القومية
التحولات العالمية تضع المنطقة العربية في قلب الأحداث
1
بما أن الاحتكار أضحى عالميا وأساس الحياة الاقتصادية، في عالمنا المعاصر، فمن الطبيعي أن يبحث عن أسواق واسعة أو يدفع إلى إنشائها. ومثلت أوروبا الموحدة ومناطق التبادل الحر حول الأقطاب الثلاثة: أمريكا وأوروبا واليابان، نماذج خاصة لتأقلم العالم الرأسمالي مع أحجام المصالح التي تمثلها الشركات العملاقة متعددة الجنسية.
وهكذا أخذ الطابع الجماعي للهيمنة الإمبريالية، في ظل العولمة، طريقه إلى الظهور مع تحول الاحتكارات العالمية إلى عنصر محدد في الحياة الاقتصادية على مستوى عالمي، وتبعا لذلك بدأ يظهر الميل إلى إنشاء أسواق كبيرة وتجاوز حدود الأسواق القطرية الضيقة.
في هذا الإطار تنزل مشروع "إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، الخاص بالمنطقة العربية، والقائم على أساس شراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الموحدة. فالإمبريالية الأمريكية والأوروبية، بقدر ما تسعى إلى الهيمنة على موارد الطاقة والمواد الأولية في المنطقة وتبحث على خدمة مصالحها الوطنية الخاصة، أصبحت تبحث على إنشاء سوق عربية موحدة تتناسب والأحجام العملاقة للشركات متعددة الجنسية، وإدخال تعديلات على نظم الحكم العربية من خلال "الدفع إلى التحديث السياسي" وإدماج المعارضة الإسلامية في الحياة السياسية وإعدادها كي تتحول إلى أحزاب تداول على السلطة. وتضغط بكل الأشكال من أجل ضمان حدود آمنة لإسرائيل وتطبيع علاقاتها مع الدول العربية وإزالة العوائق السياسية والثقافية والقانونية أمام دخولها السّوق الموحدة من الباب الكبير.
ولتحقيق هذا الغرض، احتلت الولايات المتحدة العراق وألحقت به الدمار وخربت حضارته ونهبت ثرواته ومعالمه الثقافية واغتالت علماءه وعذبت أبناءه وحولته إلى مرتع للتجارب الحربية والأسلحة المستحدثة ولإرهاب الدولة والفرق الدينية المتطرفة، وتمادت الدولة الصهيونية في التنكيل بالشعب الفلسطيني واحتلال أراضيه وجعلت من كل رقعة آهلة "جينين الشهيدة"، ولم تكف عن عملها المجرم حتى بعد انسحابها من غزّة، وشنت حربا أخرى على لبنان ارتكبت خلالها جرائم ضد الإنسانية، وكانت وجدت الرعاية والدعم والحماية من قبل الإمبريالية الأمريكية في مجلس الأمن وفي المفاوضات الدولية التي لها شأن بالوضع في الشرق الأوسط.
لقد ركّزت أمريكا قواعدها العسكرية وترسانتها الحربية في الخليج العربي وفي البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، مسنودة من قبل بريطانيا، وتركت الفرصة لفرنسا كي تحتل موقعها في لبنان وتركت لها عينا على سوريا، حتى يكون لها في المنطقة شأن أكبر من ذي قبل، تعويضا لها عن العراق.
وزيادة على ذلك، فقد أصبحت أمريكا تتدخل بصورة نشيطة في الأوضاع السياسية للبلدان العربية، حتى أن سفاراتها تحولت وكأنها مكوّنة من الوضع الداخلي للعديد من البلدان، ونخصّ بالذكر ما حدث بشأن الإنتخابات الرئاسية والتشريعية في مصر، التي نزلت فيها بكل ثقلها من أجل إدماج الحركة الإسلامية في العملية الإنتخابية، كخطوة في اتجاه تشريع وجودها السياسي.
2
لقد وضعت التحولات الدولية، مرة أخرى، المنطقة العربية في قلب الأحداث العالمية التي طبعت مطلع هذا القرن. فألقت على كاهل الشعبين العراقي والفلسطيني في مرحلة أولى وعلى الشعب اللبناني في مرحلة ثانية مهمة كشف حقيقة "مشروع الإصلاح" الأمريكي- الأوروبي وادعاءاته حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإبرازه على أنه مشروع هيمني جديد. وساعدتها على أن تكشف مرة أخرى على قصور الأنظمة العربية في الوقوف في وجه التدخل الإمبريالي وأن جبروت أجهزة دولها توجهه فقط ضد شعوبها لمنعها من مؤازرة بعضها البعض ومن التعبير عن إرادتها بكل حرية ومن تكتيل جهودها من أجل التحرر السياسي والاجتماعي وتحقيق الوحدة العربية ذات المضمون الاشتراكي.
وفي هذا السياق، أيضا، أصبح ممكنا للطبقة العاملة والشعوب العربية الخروج من الإطار الجغراسياسي القطري والأفق القومي الضيق لصياغة الوحدة في أفق اشتراكي، تتحقق على مراحل تكون فيها التجمعات الإقليمية والسوق العربية المشتركة والعملة العربية الواحدة والبرلمان العربي الخطوات الأولى(الموضوعية) لتحقيق الوحدة العربية.
الإرهاب باسم الدين أسبابه وخصائصه
تمارس قوى عديدة الإرهاب ضد المدنيين العزل باسم الدين وترتكب جرائم في حق الإنسانية بدعوى مناهضة الإمبريالية والصهيونية. وقد طال هذا الإرهاب الأعمى بلدانا عربية وإسلامية منها السعودية وتركيا وسوريا والأردن ومصر والمغرب وتونس وخاصة العراق الذي أصبح مرتعا للفرق الإرهابية المتسترة بالإسلام، باسم مقاومة الاستعمار الأمريكي- البريطاني.
نحن ندين الإرهاب مهما كانت الإيديولوجيا التي يعتمدها ومهما كانت الجهة التي ينتمي إليها. إن الإرهاب هو ردة فعل على الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي تعيشها الشعوب العربية والإسلامية، وعلى انسداد الأفق أمامها وحالة الضياع والهامشية والفقر والتشرد وضرب قيم العقل والإخاء والسلم وإشاعة الفردانية وإفراغ العلاقات الاجتماعية من مضمونها الإنساني وإشاعة روابط المصلحة والنفعية الصرفة، التي هزت البناء الاجتماعي والاقتصادي والقيمي للمواطن ودفعت به إلى البحث عن حلول كامنة في مخزونه الثقافي والروحي.
وهو أيضا ردة فعل على النظم العربية القائمة على أساس الدين أو تلك التي توظفه كإيديولوجية إخضاع وتصادر الحريات وتحرم شعوبها من التعبير عن إرادتها وتقمع معارضيها وتنظم تصفيتهم عن طريق التهرئة المادية والمعنوية والتجويع والمضايقة والإيقاف والتعذيب والسجن والمعاملة السيئة والأحكام القاسية التي تصل إلى حد الحكم بالسجن المؤبد والإعدام.
إن انعدام الحريات واستغلال الدين من قبل الدولة، شرّع لبعض القوى السياسية التستر بالدين وتحويله إلى أداة إيديولوجية رهيبة لتعبئة "المستضعفين" ضد الجور والفقر وللتبشير بعالم يسوده العدل الرباني المادي والمعنوي.
وزيادة على ذلك فإن الحركة الديمقراطية، وعلى الأخص جناحها اللائكي، مازالت تعيش على التشتت والفرقة فيما بين مختلف فصائلها والعزلة عن الشعب وتفتقد برنامجا موحدا بديلا، عن نظم الحكم القائمة وعن المشاريع الاستبدادية المتسترة بالدين، يخدم مصلحة الشعب والوطن ويؤهلها كي تتحول إلى مركز استقطاب ثالث في المجتمع.
إن حالة الضعف والوهن التي عليها الحركة الديمقراطية هي التي تركت المجال مفتوحا، أمام النظم القائمة كي تبقى في مواقعها ما يناهز نصف قرن، وأمام الحركات الإسلامية كي تنتصب في مقام الناطق الرسمي باسم الشعب والوطن وباسم الحرية والديمقراطية على مسرح السياسة الوطنية والإقليمية والدولية.
وفي كلمة فإن الظروف الذاتية والموضوعية للحركة الشعبية والديمقراطية هي التي مثلت الأرضية الخصبة لظهور الحركات الدينية، وعلى الأخص في المجتمعات العربية الإسلامية، في مقام البديل الناجز، وهي التي خولت لبعض القوى الإنفلات في اتجاه أقصى اليمين لتتحول إلى حركات إرهابية متسترة بالدين.
وتجد هذه الحركات التعاطف الكبير في الأوساط الشعبية المكبلة بمشاعر المهانة الوطنية والإذلال القومي التي ولّدها حصار العراق وغزوه وحرب الإبادة الموجهة ضد الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي.
وتكمن خطورة هذا النوع من الإرهاب في كونه محصن بتبرير عقائدي ديني، وله بالتالي سلطة على الإنسان تتجاوز ما يمكن أن يخوله له الإدراك العقلي. إذ يكفي أن يفتى في الأمر كي لا يتردد الإرهابي على الإقدام على ارتكاب جرائم بشعة في حق مواطنين عزل. ويكفي أن نشير، في هذا الصدد، إلى ما جرى في الجزائر من عمليات تذبيح وتقتيل جماعية، تصفى عن طريقها عائلات وقرى بأكملها، وإلى عمليات 11 سبتمبر ومدريد والرياض… إلخ.
لذلك فإن حماية الشعوب والمجتمعات من هذا التيار، تكمن في إشاعة قيم العقل والحرية وفتح باب النقاش الفكري والسياسي على مصراعيه وتوفير الفضاءات اللازمة لذلك والسماح لقوى المجتمع المدني والسياسي كي تتحمل مسؤولياتها كاملة أمام الشعب دون عوائق. وهكذا يكسب المجتمع مناعة ذاتية لا تعادلها، في أي مستوى كان، الحلول الأمنية التي تتوخاها بعض الأنظمة.
لقد كانت مجموعة من الدول، في مقدمتها أمريكا، هي التي مولت وسلحت وسهلت عمل القوى الإرهابية الدينية، من أجل ضرب الوجود السوفياتي- سابقا- أو إعادة ترتيب الأوضاع في بعض البلدان العربية والإسلامية "العنيدة" أو لمواجهة اليسار وإيقاف تنامي الحركة الاجتماعية وإغراقها في الماضوية كي تقبل بتنفيذ برامج الإصلاح النيوليبيرالية دون معارضة تذكر.
وكانت السعودية وإمارات النفط الخليجية ومصر وباكستان شركاء أمريكا في تنظيم عمليات تفريخ هذا المارد، لمّا كانت المواجهة على أشدّها في أفغانستان من أجل دحر الوجود السوفياتي. ولم تكتف بذلك بل أمعنت في مزيد إغراق الشعوب في متاهات الفكر الظلامي والماضوي عن طريق الفضائيات التي تشيع الخرافة وتقسم المجتمع إلى مسلمين وكفار وتعيد صياغة العقليات العامة للشعوب والنخب بما يجعلها تقبل بالتطرف الديني وبالإرهاب الديني كمكونات عضوية من ردّ الفعل المشروع على الاضطهاد الوطني والقومي والاستغلال والنهب المنظم للخيرات الوطنية.
الارهاب باسم الدين ومشروع الدولة الدينية
يعيق النضال الديمقراطي والوطني للشعوب العربية
1
الحركات الارهابية والحركات المتطرّفة والمعتدلة
باسم الدين تعمل من أجل "إقامة الدولة الإسلامية"
يزداد الوضع خطورة في المنطقة العربية، خاصة أمام كثافة القناع الديني الذي أصبح يغطي المقاومة الوطنية في العراق وفلسطين ولبنان ويخيم على النضال الديمقراطي ضد النظم الدكتاتورية والاستبدادية، لأنه يشوّه النضال الوطني والديمقراطي ويغرقه في أتون الصراع الديني والعقائدي ويزيح كل إمكانية لحلول عقلانية.
فالمنطقة العربية حبلى بالاختلافات المذهبية والدينية والعرقية والثقافية، زيادة على ما تعانيه من اضطهاد قومي واستعماري واستعماري-استيطاني صهيوني ومن هيمنة إمبريالية ونهب لخيراتها. وقد شهدت نزاعات وحروب خلفت آثارا يصعب محوها من الذاكرة الشعبية. وزادها تعقيدا الإرهاب المتستر بالدين، الذي أخذ صفة المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق ولبنان ضد الاستعمار الأمريكي والصهيوني، وفي العمليات التي استهدفت العديد من العواصم الأوروبية وعلى الأخص نيويورك، التي أخذت صفة المناهضة للإمبريالية بصورة عامة. وليس هذا فقط، بل إن الحركات الإسلامية المتطرفة والمعتدلة تعمل اليد في اليد من أجل إرساء دولة دينية على كل شبر من "الوطن الإسلامي" يتم "تحريره" من "الطواغيت" و"حكم العلمانية".
إذا كان من السهل حسم الموقف في شأن العمليات الإرهابية التي جرت في البلدان الغربية والعربية والإسلامية، فإن الذي يثير الجدل في جميع الأوساط هو ذاك الذي تقوم به حركة حماس الفلسطينية والجهاد الإسلامي وفصيل شهداء الأقصى، وذاك المسجل على حساب المقاومة العراقية واللبنانية، باعتباره ملتصقا بنضال الشعب الفلسطيني والعراقي واللبناني ضد العنجهية الصهيونية والأمريكية وبما ترتكبانه يوميا من جرائم.
أمّا بشأن الفصائل الإسلامية في بقية البلدان العربية، المتشددة منها والمعتدلة، فهي تقف عموما في صف المعارضة الراديكالية للسلطة وتسعى إلى العمل المشترك مع المعارضة العلمانية. وتعلن فصائل من بينها قبولها باللعبة "الديمقراطية" وتواصل أخرى رفع شعار "الإسلام هو الحل". لكنها جميعا تهدف إلى إرساء "الجمهورية الإسلامية" على أنقاض الدولة العلمانية والدولة "الزنديقة".
إن الخلط بين الدين والسياسة يجرّ الشعوب إلى الاعتقاد بأن مآسيها وحرمانها واضطهادها واستغلالها، هي جميعها بلايا "أنزلها الله على عباده المؤمنين" لاختبارهم. وبما أن البلية ربانية فحلها يكون بالضرورة ربانيا ويكون على "أيادي عباده الصالحين". وهكذا يجرد المواطن، من حقه في التقرير في الشؤون العامة، باسم الدين لفائدة "أهل الحل والعقد". وتأخذ الدولة، التي جردت هي الأخرى من صفتها السياسية، طابعا دينيا.
بما أن الدولة الدينية قائمة على العقيدة، فهي بالضرورة نافية للعقائد الأخرى، باعتبار صفة العقيدة المطلقة، وفي أحسن الحالات تفرض عليها الخضوع، ومن ثمّ فهي بالضرورة دولة استبدادية. وبذلك فإن الدولة الدينية عوضا عن معالجة تناقضات المجتمع تكبله بأخرى وتشوه طبيعتها لمّا تضفي عليها قناعا دينيا.
إن الشعوب العربية لن تعرف طريقها إلى الديمقراطية إلا متى جعلت من الدين شأنا خاصا بكل فرد في المجتمع وفصلته عن السياسة وعن الشأن العام وبالتالي عن الدولة، وحجرت توظيفه من قبل أي كان. عندها فقط تتجلى المواقف والبرامج والمشاريع وترفع عنها كل هالة قدسية ويتوضح الصراع الطبقي أكثر ويصبح بإمكان الشعب النضال من أجل ديمقراطية أوسع وحريات أكبر.
2
القضية الفلسطينية والدولة العلمانية
أ ـ النضال الفلسطيني موجه ضد الدولة الإسرائيلية والعصابات الصهيونية
تمثل الآلة العسكرية وأجهزة الأمن والمخابرات الركيزة الأساسية التي تقوم عليها دولة إسرائيل، وهي القلب النابض للوجود الصهيوني في فلسطين والشرق الأوسط.
إن هذه الدولة أو"الكيان" لها مؤسساتها السياسية، التنفيذية والتمثيلية، والقانونية والعسكرية والإدارية ولها حدود تتوسع باستمرار على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب الدول العربية المجاورة ولها عضوية المنتظم الدولي. وتعطيها هذه المؤسسات والوظائف والعلاقات والأرض صفة الدولة. وهذا "الكيان- الدولة" هو الذي يحتل فلسطين وينظم الاستيطان ويشرد الشعب الفلسطيني من دياره ومن أرضه ويرتكب جرائم الحرب في حقه.
ومن المفروض أن يستهدف النضال الفلسطيني مؤسسات هذه الدولة التي تقوم باضطهاده وانتزاع أرضه، كي يتمكن الشعب الفلسطيني من تحقيق أهدافه الوطنية.
لكن وبما أن هذه "الدولة- الكيان" قامت على اغتصاب أرض من أصحابها وشردتهم ونصبت عوضا عنهم جماعات استجلبتهم من مختلف بلدان العالم موهمة إياهم بالأرض الموعودة، فقد أنشأت مليشيات مسلحة تحمي كل مستوطنة جديدة تبعثها وتسلط الإرهاب المنظم على الفلسطينيين لإجبارهم على هجر أراضيهم وديارهم من أجل توسيع المجال الحيوي للمستوطنات.
لذلك أيضا كان من الفروض أن يستهدف النضال الفلسطيني هذه المليشيات كي يحمي الشعب الفلسطيني من الإرهاب الصهيوني غير الرسمي.
وبما أن هذا "الكيان- الدولة" قائم على أساس الدين -"اليهودية"- وعلى أساس الإيديولوجيا الصهيونية، فإن الجماعات الدينية المتطرفة والعنصرية المسلحة تمثل إحدى الدعائم السياسية الأساسية لهذا "الكيان"، والتي غالبا ما تلتجئ الدولة الإسرائيلية لخدماتها.
فمن المنطقي أيضا أن يستهدف النضال الفلسطيني هذه الميليشيات المسلحة دفاعا عن الشعب الفلسطيني وحماية له من الإرهاب الصهيوني.
إلى جانب هذا الكم الهائل من أدوات الإرهاب الرسمي وغير الرسمي توجد جماعات أخرى من المستجلبين عمال ومثقفين وحرفيين وشغالين انجروا عقائديا وراء الدعاية الصهيونية وطمعوا في الجنة الموعودة، وهم اليوم يريدون العيش بسلام ويأملون في معالجة "وفاقية" مع الفلسطينيين، ومنهم من رفض المشاركة في الحروب الإرهابية التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني بما في ذلك ضباط سامون في الجيش وهم الذين تجمعوا بعشرات الآلاف احتجاجا على المجازر منادين بالسلام الآن.
وعلى أساس التمييز بين مختلف مكونات المجتمع الإسرائيلي يمكن فهم الفرق في النضال الفلسطيني بين العمل الإرهابي والنضال الوطني المشروع لسائر الفصائل، بمعنى أنه يمكن اعتبار العمليات التي تستهدف أجهزة إرهاب الدولة الرسمية والعصابات الإرهابية الصهيونية غير الرسمية، تدخل في إطار المقاومة والنضال الوطني، أما تلك التي تترك هذه الأجهزة بعيدة عن الأذى وتستهدف عزّلا، تعدّ عمليات إرهابية صرفة، وغالبا ما تكون ذريعة لتكالب الآلة الصهيونية القمعية ضد الشعب الفلسطيني لتلحق به مآسي وآلاما أكبر، أو مبررا لإيقاف المفاوضات.
ب ـ الدولة العلمانية على كامل أرض فلسطين تتعارض مع مشروع "الدّولة الإسلامية"
مرت استراتجية الثورة الفلسطينية بمنعرجات عدة وتغيرت المرة تلو الأخرى، سواء أكان الأمر مقرونا بظروف النضال الفلسطيني، أو بضغط الدول العربية المتاخمة لإسرائيل والمضيفة في الغالب للاجئين، أو بتأثير تيارات إيديولوجية وسياسية عالمية أو بتغيير الخارطة السياسية الفلسطينية على الميدان. فقد مرت من رفض قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 1947 والنضال في سبيل استرجاع كامل فلسطين وإجبار اليهود المهجرين على العودة إلى بلدانهم الأصلية إلى استراتيجية إقامة الدولة العلمانية على كامل أرض فلسطين، في مطلع السبعينات، تتعايش فيها مختلف الديانات والأعراق. ومنذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات عدلت استراتيجيتها بعض الشيء، إذ بدأ الحديث عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته طبقا للقرارات الأممية.
ونشير إلى أن منظمة التحرير لم تقبل خلال المراحل المتعاقبة الاعتراف بدولة إسرائيل، رافعة لاءاتها الثلاث، لا اعتراف لا تفاوض لا سلام.
وفي مطلع التسعينات تركزت استراتيجية الثورة على إقامة الدولة الفلسطينية على الضفة والقطاع وعودة اللاجئين، إلى أن أتت مفاوضات مدريد واتفاقية أوسلو، التي اضطرت منظمة التحرير بموجبها إلى الاعتراف بإسرائيل والقبول بسلطة فلسطينية محدودة في المجال الذي حددته الاتفاقية.
لقد عانت منظمة التحرير ومازالت تعاني من تدخل الأنظمة العربية في شؤونها الداخلية، حتى أن البعض منها، باسم "القومية" أو"جبهة الرفض" أو "دول المواجهة" أو"الدول العائلة"(السعودية والخليج النفطي) بعثت حركات فلسطينية مولتها وسلحتها وجعلت منها طرفا في القرار الفلسطيني، زيادة على الضغط الذي تمارسه مباشرة، والذي تراوح بين المادي والمعنوي وبين التصفية الجسدية والعسكرية للوجود الفلسطيني وإيقاف وتعذيب الإطارات السياسية والعسكرية وملاحقتهم والتنكيل بهم، وإذا أضفنا إلى هذا الوضع ما قامت به إسرائيل وتقوم، من اغتيالات وإيقافات وملاحقات وتأطير أمني للمجتمع الإسرائيلي وعسكري للأراضي المحتلة إثر حربي1967 و1973، وإذا أضفنا أيضا الإغتيالات التي استهدفت بعض القادة والمفكرين والتي ارتكبتها حركات إسلامية، نفهم جيدا الأسباب الرئيسية المتعلقة بعدم استقرار استراتيجية الثورة الفلسطينية.
إن وضع الثورة الفلسطينية يعد من أعقد الأوضاع وأشدها خطورة والتي تتداخل فيها بصورة مباشرة الأوضاع العالمية والإقليمية والخاصة بالأرض الفلسطينية، ويتشابك فيها الديني والعقائدي والوطني والثقافي والأتني والاقتصادي والسياسي، منها الذي له صلة بالصراع المباشر ومنها الذي يرمي جذوره في التاريخ.
وبالنظر إلى هذا التعقيد البالغ الدقة والشمولية وحالة ميزان القوى المحلية والإقليمية والعالمية، فإن التمشي الأسلم هو تحقيق الهدف الإستراتيجي على مراحل، وذلك من خلال تقديم نموذج حل قادر على استيعاب مجمل التناقضات القائمة على الأرض الفلسطينية وعلى إقناع الشعب الفلسطيني واليهود بمختلف أوطانهم الأصلية والرأي العام العربي والعالمي، بأن التعايش ممكن والسلام ممكن وتحقيق المطامح الوطنية الفلسطينية ممكن. ويتمثل هذا الحل في الدولة العلمانية الديمقراطية التي تقام على كل شبر يتم تحريره من الاستعمار الاستيطاني الصهيوني.
لذلك نحن نعارض الحلول الدينية التي تنادي بإقامة دولة إسلامية فلسطينية، كما نعارض الحلول الشوفينية الداعية إلى إعادة تهجير اليهود إلى أوطانهم الأصلية، ونساند الخطوات التي تقربنا من الحل العقلاني، بعيدا عن التطرف الوجداني وعن التصورات المثالية التي كلفت الشعب الفلسطيني غاليا وأجبرته على أن يبحث اليوم عن حلول منقوصة ومذلة أحيانا وفي غير صالحه البتة، مقارنة بتلك التي كانت متوفرة له بالأمس.
نحن لسنا ضد "حماس" والحركات الإسلامية الفلسطينية لأن مرجعيتها دينية، بل لأنها تدعو إلى إقامة دولة دينية على الأرض الفلسطينية ولأنها لم تدرك أن الشعب الفلسطيني قد ذاق ذرعا من العبودية والاستبداد باسم الدين، التي كانت تارة باسم المسيحية وأخرى باسم اليهودية وثالثة باسم الإسلام، ولأنها لم تدرك أنه اليوم في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى التحرر من الإستبداد باسم الدين وإلى العيش في مأمن من الصراعات السياسية المتسترة بالدين.
نحن ضد "حماس" والحركات الإسلامية الفلسطينية لأنها لا تفرق بين اليهودي كمواطن وبين الأجهزة القمعية- الرسمية وغير الرسمية- للدولة الصهيونية، ولا تفرق، أيضا، بين العمل الإرهابي الاستفزازي والنضال الوطني الفلسطيني المشروع.
إن خطورة طرح تحرير فلسطين وبناء دولة فلسطينية على أساس ديني، من شأنه أن يحول الصراع الفلسطيني والعربي الصهيوني إلى صراع ديني "إسلامي- يهودي". وهو منزلق يطمس جوهر القضية، باعتبارها قضية تحرر وطني، ويكبّل الشعب الفلسطيني بأثقال الماضي ويعرقله في سيره نحو التحرر الوطني والاجتماعي والسياسي.
وزيادة على ذلك، ونظرا للتعقيدات التي شهدتها هذه الرقعة من الأرض منذ أقدم العصور، يصبح الحل الأقرب للمنطق الذي بإمكانه إطفاء التناحر بين المعتقدات والديانات والأعراق، الذي يتواصل عبر مختلف الحقب التاريخية، في صيغ وأشكال مختلفة، هو ذاك الذي اهتدت إليه الثورة الفلسطينية في مطلع السبعينات من القرن الماضي، والداعي إلى إقامة دولة علمانية ديمقراطية تتعايش فيها الأديان والأعراق على كامل أرض فلسطين. وهو، أيضا، الحل الذي اهتدت إليه الثورة في جنوب إفريقيا أمام الميز العنصري، ولتجاوز الأسس العنصرية والاستعمارية التي كانت تقوم عليها دولة البيض، وهو في اعتقادنا الحل الأمثل للقضية الفلسطينية.
إن قوة الدولة العلمانية الديمقراطية تكمن في كونها تثبت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، حتى وإن كانت منقوصة، وتنفي بمجرد وجودها كل كيان قائم على أساس الاضطهاد الديني أو العرقي أو العقائدي أو على أساس الاستعمار الاستيطاني، وتفتح الطريق أمام حل شامل يحقق إنسانية الإنسان.
وأخذا بعين الاعتبار، أيضا، أن الأوضاع في المنطقة بالغة التعقيد، سواء أكان ذلك، في علاقة بالثقل التاريخي الذي يكبلها أو بالمصالح المحلية والإقليمية والعالمية التي تتجمع فيها، فإنه من الأقوم، وقبل الوصول إلى هذا الحل العقلاني والعلماني والديمقراطي، أن تعيش المنطقة مرحلة انتقالية يتحقق فيها جزء من المطمح الوطني الفلسطيني المتمثل في إقامة دولته، في المجال المخصص للسلطة الفلسطينية.
إن هذا الحل، رغم كونه منقوصا ودون ما تضمنته القرارات الأممية، فهو ضروري من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية وإعادة طرحها في إطار تسوية تتوفر فيها الشروط الملائمة لتحقيق الهدف كله، وهو ضروري لحماية الشعب الفلسطيني من الاهتراء المادي والمعنوي وتمكينه من استرجاع أنفاسه واستعادة عافيته.
كما أن هذا الحل، رغم كونه منقوصا، بإمكانه أن يسهم في تهفيت الصراع الديني المتأجج وتحرير المواطن الفلسطيني من ثقله وجعله أكثر قابلية للحلول العقلانية والعلمانية.
عندها فقط يصبح بالإمكان، المرور إلى مرحلة النضال من أجل إقامة الدولة العلمانية الديمقراطية على كامل أرض فلسطين، تتعايش فيها مختلف الأديان والأعراق دون تمييز. وعندها فقط يصبح ممكنا للشعب الفلسطيني أن يحقق مطامحه الوطنية كاملة ويمر في طريقه إلى تحقيق تحرره الاجتماعي والسياسي.
3
الإرهاب باسم الدين يشوّه المقاومة في العراق
لقد لبت العديد من الفرق الدينية الجهادية النداء للدفاع عن بغداد لمّا هاجمتها قوّات التحالف. لكن بغداد سقطت في ثلاثة أسابيع. وظل المتطوعون العرب والمسلمون، بما في ذلك الفرق الانتحارية، يحملون سلاحهم، إلى جانب الجماعات الإسلامية المتطرفة العراقية.
وبما أن سقوط بغداد حتم على حزب البعث الذي كان يحكم العراق وعلى ما يناهز الـ5000 رجل من رجالات النظام المطاح به، مسلحين ومدربين أحسن تدريب(حسب تقديرات أجهزة المخابرات المركزية الأمريكية وبعض الخبراء العاملين في العراق)، الانطلاق في المقاومة شهرا بعد الغزو مباشرة. كما حتم على العديد من القوى الوطنية، بما في ذلك، تلك التي كانت تعارض النظام البعثي، الالتحاق بصفوف المقاومة. وحتم أيضا على شرائح عدة من الشعب العراقي الانخراط في المقاومة، بعد مرحلة الذهول التي أصابتها من جراء سرعة الغزو وهوله، وبعد ما شاهدته من دمار وخراب وما عاشته من مهانة ومذلة.
لذلك، ومنذ أن انطلقت المقاومة، انطلقت معها عمليات إرهابية استهدفت في طور أول كل وجود أجنبي، عسكري وجمعياتي وغيره، وبعض المواقع الحيوية التي يتواجد فيها الغزاة والمواطنون على حد السواء، وفي طور ثان جهازي الشرطة والجيش اللذين يسعى النظام الجديد إلى تنظيمهما، وفي طور ثالث مراكز تجمّع الناس بما فيها الشيعة.
فتردد اسم القاعدة بكثرة ولمع اسم الزرقاوي، وبصورة خاصة مع عمليات اختطاف الأجانب وإعدام البعض منهم بالذبح وبعث مختلف مراحل التنفيذ، في شريط مسجل، لمختلف وسائل الإعلام العالمية، ولم تهدأ العمليات حتى بعد قتله من قبل القوات الأمريكية.
لا شك وأن جيش التحالف ارتكب أبشع الجرائم في حق الشعب العراقي، وفضاعات سجن أبي غريب التي تعتبر جرائم في حق الإنسانية شهادة على ذلك. ومع ذلك، لا يمكن تبرير الإرهاب الذي يأخذ صيغ أعمال "إجرامية" باسم السياسة والدين، الذي يذهب ضحيته مواطنون عزل.
الخطر كل الخطر يكمن في أن مثل هذه الأعمال، التي أصبحت تنسب للمقاومة العراقية، رغم وحشيتها، أصبحت تستجلب التعاطف الشعبي، لأنها تأخذ صيغة "الثأر"، في الوجدان الشعبي، من الأعمال الإجرامية التي يقوم بها جنود الاحتلال.
لا شك، أيضا، أن الأعمال الإرهابية تربك الأعداء وتثير فيهم الهلع، لكنها لا تعبّئ ولا تشرّك ولا تنظّم الشّعب للمقاومة، باعتبارها أعمالا تقوم بها أقلية مدرّبة. وتظل هذه القلة تعمل في عزلة عن الناس الذين قد تتغير مواقفهم وآراؤهم، بمجرد حدوث تغييرات في الأوضاع الموضوعية أو حصول تسويات ذات بال تجبر المقاومة على تغيير تكتيكها، فتخسر الجماعات الإرهابية بذلك الدرع الذي كانت تحتمي به وتجد نفسها عرضة للتدمير عسكريا. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى عمليات التصفية التي تلحق خلايا القاعدة في السعودية وتلك التي شهدتها التوباماروس في أمريكا اللاتينية والألوية الحمراء في أوروبا والجيش الأحمر الياباني والجماعات الغيفارية والقومية في العالم العربي، خلال السبعينات.
نحن نقف إلى جانب المقاومة في العراق، لكننا ندين الإرهاب المتستر بالدين الذي يمارس باسمها، لأننا مقتنعون أن كل شعب سوف يجد طريقه الخاصة للتحرر الوطني والاجتماعي والسياسي وسوف يقدم إسهامه الخاص في بناء صرح الحضارة الإنسانية بالسبل التي يرتئيها.
ونؤكد أن موقفنا المبدئي، من حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ومناصرتنا لها، لا يجعلنا نغفل عن المضامين التي يمكن أن يتحقق بواسطتها التحرر الوطني. لقد أثبتت التجربة التاريخية لحركات التحرر من الاستعمار أن عدم ربط المهمة الوطنية بمهمة التحرر الإجتماعي والسياسي أدت إلى إقامة نظم دكتاتورية واستبدادية باسم الوطن أو الدين أو باسم أولوية التنمية على الديمقراطية. لذلك فإن مشاركة حركات، في المقاومة في العراق، تحمل مشاريع دينية، ومشاركة رجالات النظام البعثي المطاح به في المقاومة دون تقييم لتجربته في السلطة بالإضافة إلى غياب بديل سياسي واقتصادي واجتماعي ديمقراطي، من شأنه أن يعرض تضحيات الشعب العراقي ونضاله لخطر العودة إلى الاستبداد باسم الدين أو باسم الإيديولوجيا البعثية.
إن الخطر حقيقي في العراق، فالبيت الشيعي في البصرة احتل مجال ممارسة سلطته بين الناس وعلماء المسلمين السنّة، في مثلثهم، احتلوا مجالهم إلى جانب شيوخ العشائر، واقتطعت الفرق الدينية المتطرفة مجالاتها على الأرض، واستقل الأكراد بشمالهم، واقعيا، وهم بصدد صياغة دستورهم الخاص، ويتعاملون مع السلطة المركزية وكأنها سلطة فيدرالية. وبذلك أصبح من الصعب على أي سلطة في العراق عدم أخذ هذا الوضع المستجد بعين الاعتبار في ممارسة الحكم.
لذلك يكون من مصلحة المقاومة العراقية أن تضع خطوط التمايز بينها وبين الحركات الإرهابية وتقدّم تقييما موضوعيا لتجربة الحكم البعثية وترسم بديلا وطنيا ديمقراطيا يعالج المعضلات الأساسية للمجتمع العراقي الدينية والإتنية والاجتماعية والسياسية. ومن واجبها الأوكد أن تتمايز مع أنماط الحكم الدينية والعرقية لأنها سوف ترمي بالمجتمع العراقي في أتون الحروب الدينية والأهلية. وهذا يعني أن الدولة العلمانية الديمقراطية تمثل أفضل نمط دولة وحكم قادر على تأطير تناقضات العراق.
حول بعض الخصائص التاريخية
للمسألة القومية العربية
1
إن الشعب ظاهرة سابقة للقومية والأمة تنشأ من "اتحاد القبائل" الذي يعبّر عن دخول المجتمع مرحلة الانقسام الطبقي وظهور الدولة. وقد شهدت الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام واليمن ومصر وشمال إفريقيا إمارات ودول قامت على أساس اتحاد القبائل، ممّا سرّع في اختلاط النّاس وأزاح شيئا فشيئا رابطة الدم أمام رابطة "الإتحاد القبلي" فالدولة.
ولماّ أصبح العرب "شعبا" و"دولة" في مرحلة ظهور الإسلام، تصرفوا باعتبارهم "أمة"، أي قومية في طور النضج، تريد أن ترسم "حدود" أراضيها مع غيرها من "الأمم". فخاضت حروبا مع الفرس والروم والحبشة، وردتهم على أعقابهم. ولم يكفها ذلك، بل خرجت من حدود الجزيرة العربية في اتجاه بلاد ما بين النهرين ومصر وشمال إفريقيا وفي اتجاه بلاد فارس والهند والصين وأوروبا.
وفي هذا الخضم اندمجت شعوب غير عربية واستعصت أخرى وأصبح المجال الذي يتنقل فيه العرب دون صدام حاد- عسكري وثقافي سياسي- مع الأقوام الأخرى، يمتد من المحيط إلى الخليج.
إلاّ أن هذا الاندماج الحضاري لا يعني اندثار الخصائص الثقافية للأقوام المندمجة، بل محافظتها عليها باعتبارها ظلت ميزتها الخاصة التي تأصلت عبر العصور. لذلك حافظ الإقطاع العثماني عموما على "حدود" الأقاليم القديمة وواصل الاستعمار "احترامها".
وفي ظل هذه الحدود مر المجتمع من إقطاعي- رأسمالي (برعاية رأس المال الإمبريالي) إلى رأسمالي(برعاية الاستعمار والاستعمار الجديد)، نشأت طبقة بورجوازية محلية ارتبطت مصالحها بالحدود القطرية التي تهيمن فيها اقتصاديا كطبقة وتفرض سلطانها عن طريق دولتها الخاصة كطبقة وبالمقابل نشأت طبقة عاملة وطبقات كادحة ووسطى أخرى، يتحدد وجودها في علاقة بوسائل الإنتاج "القطرية" وليست العربية وبالدولة القائمة في الإطار "القطري" وليس في علاقة "بدولة افتراضية" عربية من المحيط إلى الخليج.
لذلك فإن استعمال مصطلح شعب عربي واحد خاطئ، زيادة على كونه يحمل مضمونا شوفينيا لأنه يلغي وجود الأقليات القومية والخصائص الثقافية (الأكراد والبربر والأقباط والزنوج...الخ)، وإن استعمال شعوب عربية أنسب وأوضح وأدق.
2
كان، تحول الرأسمالية إلى نمط مهيمن في المجتمع، قد تطلّب تلاحما اقتصاديا ومركزة سياسية للمقاطعات الإقطاعية المجزأة على أرض مشتركة واحدة ولغة رسمية واحدة. ولضمان التطور الحر لأسلوب الإنتاج الرأسمالي الناشئ انصهر أهالي الإمارات والمقاطعات الإقطاعية المتفرقة في أمّة. وقد جرى ذلك في إطار صراع حاد بين البورجوازية الصاعدة والإقطاع. وكانت النقود قد نخرت، قبل ذلك بوقت طويل، أساس حصون الأمراء.
أمّا التلاحم النهائي للأمة فقد حدث لمّا انخرط الريف في العلاقات الاقتصادية الرأسمالية الدائمة. ونتيجة ذلك "غدت المقاطعات المستقلة... في أمة متلاحمة، لها حكومة واحدة وتشريع واحد...وحدود جمروكية واحدة..."، فنشأت البلدان – الأمة والبلدان- متعددة القوميات، والتي في إطارها تلاحمت البورجوازية والطبقة العاملة والطبقات الوسطى لتؤلف التركيبة الاجتماعية الجديدة للمجتمع الرأسمالي. لكن لكل طبقة مصالحها الخاصة، فالبورجوازية تحتاج إلى ضمان حرية التنقل لكافة مواطني البلاد وإلى تشريعات تجارية وصناعية موحدة وتحتاج في نهاية المطاف إلى إزالة كافة العوائق التي تعترض استغلالها للطبقة العاملة والشعب الكادح. وفي هذا بالذات تكمن مصلحتها القومية وإليه تستند وطنيتها وكل إيديولوجيتها القومية.
في حين تتمثل المصلحة القومية والوطنية للطبقة العاملة في أن تأمين مصالحها على الوجه الأفضل يتحقق إذا ما اتحدت على النطاق الوطني. ولكي تكون عموما مستعدة للنضال من أجل المجتمع الاشتراكي المنشود "ينبغي أن تنتظم، في بلادها كطبقة".وبما أن المسرح المباشر لنضالها هو بلادها نفسها "يكون نضالها الطبقي قوميا 'من حيث الشكل' لا من حيث المضمون".
إن الأمة شكل خاص من اجتماع الناس. وهي تتميز جذريا عن الجماعات العشائرية القبلية بالعلاقات الطبقية القائمة فيها، وتتميز عن شعوب المرحلة الماقبل رأسمالية ببلورة أدق للتوزيع الطبقي، للملامح الاجتماعية والسياسية والروحية، وبازدياد متانة اتحادات كل من الطبقات المؤلفة للأمة.
فالأمر الرئيسي هو أنها ظهرت في خضم الصراع الطبقي مع الإقطاعية. ومن الطبيعي وأن هذا الصراع يترك بصماته على كل الطبقات المؤلفة للأمة.
كما أنها لا تظهر عموما إلا في ظل نضج جملة من العوامل التي نشأت الواحدة تلو الأخرى واكتملت عبر صيرورة تاريخية معقدة منذ المشاعة البدائية، وهي:
- التكوين النفسي المشترك (أو الثقافة)
أ- اللغة الرسمية (أو الأدبية) الواحدة
ب- الأرض الموحدة (أو مجال حركة الشعب)
ت- وحدة الروابط الإقتصادية .
أما الشعوب العربية فقد اتبعت في مسار تطورها مسلكا خاصا أكثر تعقيد، حيث أنها لم تتوحد، لا قديما ولا حديثا، في إطار دولة مركزية واحدة إلا في فترات وجيزة من تاريخها الأموي، ثم وقعت تحت هيمنة الإقطاع العثماني. وخضعت للتقسيم ولإعادة التقسيم الإستعمارية. وزيادة على ذلك فإن الدين الإسلامي الذي كان الأساس الإيديولوجي لظهور القومية العربية على مسرح الأحداث التاريخية، أصبح موظفا من قبل الحركات الإسلامية والنظم العربية والإسلامية لفائدة أمة فوق الأمم، أي"الأمة الإسلامية"، ممّا أضعف جانب الوعي القومي العربي، رغم اعتباره الرابطة الدينية مقوما أساسيا "للأمة العربية". وهي جميعا عوائق وقفت حائلا أمام ظهور طبقة بورجوازية عربية لها من الطموح والقوة ما يمكنها من مركزة الحياة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية، ومن تشكيل دولتها القومية أو متعددة القوميات والثقافات، تهيمن فيها القومية العربية، أي الأمة العربية.
المسألة القومية العربية والبديل الاشتراكي
1
أسلوب الإنتاج الرأسمالي هو السائد في البلدان العربية
أثارت مسألة أسلوب الإنتاج في الوطن العربي خلافات جمّة بين مختلف مكونات اليسار، وكانت حجر الزاوية في توتر العلاقة بين مختلف فصائلة والتي بلغت مستوى العداء. لكن تطور الرأسمالية العاصف على النطاق العالمي أحال هذا الملف إلى متحف التاريخ، حيث أنه أصبح واضحا للعين المجردة، أن أسلوب الإنتاج السائد، بما في ذلك في البلدان العربية الأكثر تخلفا وفقرا، هو أسلوب الإنتاج الرأسمالي.
ومهما كان دور البورجوازيات القطرية في هذا التحول، فإن "الفضل" يعود في المقام الأول للبورجوازية العالمية التي جعلت من أسلوب الإنتاج الرأسمالي "أسلوبا عالميا" وربطت كل شعوب العالم عنوة بالاقتصاد الرأسمالي بصورة دائمة. لذلك فإن أسلوب الإنتاج لا علاقة له بالبورجوازية السائدة في هذا البلد أو ذاك، إمبريالية كانت أو وطنية أو عميلة، لأنه يتعلق بقوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، أن تكون رأسمالية أم لا. في حين أن العمالة والوطنية والتبعية والإمبريالية صفة تعود للطبقات تشير لاختياراتها وموقعها الدولي. ويكون من الخطإ بالتالي توصيف أسلوب الإنتاج بالتابع أو الوطني أو ما شابه ذلك.
كما أن التقدم أو التخلف الاقتصادي لا علاقة له بأسلوب الإنتاج وإنما بدرجة تجميع الثروة ودرجات تقسيم العمل ومستوى التقنية الذي بلغته ومدى وفرة المال المعدّ للاستثمار، لذلك لا يمكن اعتبار اقتصاد متخلف في بلد ما دلالة على أن أسلوب الإنتاج فيه ما قبل رأس مالي أو شبه رأس مالي شبه إقطاعي.
والنتيجة التي ينبغي أخذها مأخذ الجد ولا ينبغي الاستخفاف بها، هي أن أسلوب الإنتاج الرأسمالي هذا بصدد لحم المجتمعات القائمة داخليا وتقسيمها إلى طبقات واضحة ذات مصالح مؤسسة على علاقاتها بوسائل الإنتاج الاجتماعية الواقعية الموجودة في المجتمع ذاته وليست "الإفتراضية" في "الوطن العربي". وربط أسلوب الإنتاج الرأسمالي ريف كل بلد بالاقتصاد الرأسمالي القائم فيه، بشكل أصبحت مصالحه الكلية مرتبطة به وليس باقتصاد بلد عربي آخر أو باقتصاد عربي موحد. وهي تغييرات تدفع الطبقة البورجوازية إلى الدفاع عن مجالها الحيوي وترى في الوحدة العربية ذاتها تهميشا أو تذويبا لمصالحها. كما أن الطبقة العاملة بحسّها الطبقي، ثم بإدراكها، ترى أن توحيد صفوفها في إطار كل بلد على حدة أمر ضروري للدفاع عن مصالحها وللنضال من أجل الاشتراكية. وعلى هذا الأساس يبنى التعاون الأممي بين الشعوب للنضال من أجل الأهداف المشتركة التي يدلها عليها واقع الصراع الطبقي والوطني. ومن دون ذلك يصبح الحديث عن الوحدة العربية مجرد حلم لا غير.
2
الأفق البورجوازي لبناء الأمة العربية مرتبط بـ"مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"
لم يخرج النضال التحرري العربي ضد الاستعمار من نطاقه الاقليمي، إلا نادرا، ولم يتعداه كي يأخذ بعدا قوميا صريحا، ماعدا لدى بعض الفصائل الناصرية والبعثية التي، لمّا وصلت إلى السلطة، حاولت إنجاز وحدات فوقية بين عدد من البلدان العربية سرعان ما كان مآلها الفشل، نذكر من بينها: الوحدة بين مصر وسوريا، وبين مصر وليبيا، وبين ليبيا وتونس. وسرعان ما عادت إلى الإطار القطري الذي نشأت فيه باعتباره يمثل الإطار الطبيعي لمصالحها الخاصة والضيقة. وتخلت بذلك عن رومانسيتها الثورية التي جعلتها تتجاهل "الحدود المصطنعة" والحلم بوحدة من المحيط إلى الخليج.
إن فشل هذه الوحدات لم يكن ناجما فقط عن التدخل الإمبريالي بل كان سببه الأساسي الصراع القطري بين البورجوازيات المحلية التي سعت كل واحدة من جهتها إلى الاستحواذ على خيرات البلد الآخر وإزاحة نخبه وأهله من دوائر النفوذ. وقد غذت هذه الصراعات، من أجل الهيمنة، النزعات القطرية والميل إلى نفي مشروعية النضال من أجل الوحدة العربية.
لقد عجزت البورجوازية الوطنية العربية على تجاوز الحدود القطرية وصارت غير مؤهلة، من أي زاوية كانت، لتخطيها. إذ زيادة على أن مصالحها كانت متشابكة مع البورجوازية العميلة ومع المصالح الإمبريالية بألف شكل وشكل، فإن مصالحها الواقعية نشأت وتطورت في مجالها الواقعي، أي في الدولة القطرية، بما هي سوق وعملة وثروة قطرية تحتكرها لصالحها.
وبدافع المصلحة الواقعية التي تكونت على أساسها البورجوازية الوطنية فإنها تكون عاجزة تاريخيا على تحمّل الدور القيادي في توحيد الكيان العربي، كما فعلت شقيقاتها الأوروبية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
ليس هذا فقط، بل إن النضال القومي والوطني (ضد الإمبريالية والصهيونية) والنضال الاجتماعي والسياسي (ضد النظم القائمة) أصبحا متشابكين. وعموما، كان الأول رئيسيا في العهد الاستعماري وكان من المفروض أن يتحقق بواسطته الثاني، وبعد الاستقلال أصبح الثاني رئيسيا ومن المنطقي أن يتحقق عن طريقه الأول. وأثبتت التجربة أن البورجوازية الوطنية لمّا حققت جزءا من المهمة الوطنية والقومية، الاستقلالات القطرية أسست نظما سياسية دكتاتورية، وأن الإصلاحات الاجتماعية والسياسية التي تقوم بها البورجوازيات الحاكمة في هذا البلد أو ذاك نجدها في قطيعة مع النضال ضد الهيمنة الإمبريالية والصهيونية.
لكن العجز التاريخي للبورجوازية الوطنية، على "توحيد الأمة العربية"، الذي كانت الإمبريالية أحد أسبابه الرئيسية، قد يتم تجاوزه ولو جزئيا بما ستوفره الأوضاع العالمية من حاجة إلى تقارب أكثر يدفع في اتجاه وحدة السوق، حتى وإن تتحقق في إطار إقليمي. وهو توجه يتضمنه "مشروع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا". وبذلك أصبح، ما لم يكن ممكنا تحقيقه بالأمس إلا عن طريق الثورة، في متناول الشعوب، بطرق إصلاحية.
وأخذا بعين الاعتبار هذا المعطى الجوهري في النقلة التاريخية التي تشهدها الأوضاع العالمية، فإن إمكانية تجاوز الدولة القطرية أصبح ممكنا في اتجاه دول إقليمية أو دولة قومية إذا ما توفرت الشروط السياسية الضرورية لذلك. فإن الطبقة العاملة والشعوب مدعوة من جهتها إلى الاستعداد للخروج من إطار الأفق القومي الضيق للمهمة الوطنية بإعطائها أفقا ديمقراطيا واشتراكيا. وهي مطالبة أيضا بالخروج من تحت مظلة الاحتكار العالمي، بقطع النظر عن الإطار الذي يتمثل فيه، بالتضامن الأممي.
وفي خضم التحولات العالمية وما توفره عموما من إمكانيات للبورجوازية كي تحافظ على سيادتها في المجتمع وعلى التأقلم مع الأوضاع التي أنشأتها العولمة، يتبارى مشروعان للوحدة العربية:
الأول، يمكن أن تتحقق فيه وحدة سوق، عربية أو إقليمية، فوقية تفرضها مصالح الشركات العملاقة متعددة الجنسية أو المصالح الأمريكية الجيو- سياسية أو الإستراتيجية. وهو مشروع قد يتحقق بسرعة، باعتباره مرتبط "بمشروع إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" الأمريكي- الأوروبي، وقد تنخرط فيه البورجوازية الوطنية والعميلة سويّة.
والثاني، هو ذاك الذي يأتي من تحت، أي من جهة الطبقة العاملة والشعوب التي تجعل من بناء الأمة العربية هدفا للتحقيق استراتيجيا، مع قبولها بكل الأشكال الانتقالية، التي تتخذها البورجوازية القطرية أو الدول الإمبريالية، والتي تساعد على بلوغ الهدف النهائي، وتسعى إلى تطويرها وإخراجها من الأفق البورجوازي- الإمبريالي. وهو حل قد يطول أو يقصر بحسب التطور الذي قد يحدث في الواقع. فالبورجوازيات القطرية التي كانت تقف حائلا أمام السوق العربية الموحدة، أو السوق الإقليمية، قد تجد نفسها مكرهة على القبول بها، في إطار "مشروع إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، كما هو الشأن بالنسبة للعملة والبرلمان وغيرهما. وهو إطار موضوعي ملائم لتجاوز العوائق الأخرى بيسر ويساعد على الخروج من النطاق القطري إلى المستوى القومي. ويفتح هذا التغيير في الأوضاع مجالات أرحب أمام الشعوب لدعم سيرها من التحت والتقدم بسرعة أكبر لبلوغ هدفها.
3
البديل الاشتراكي هو الأفق الأضمن لتحقيق الوحدة العربية
إن الاشتراكية، باعتبارها مناهضة للاستغلال واضطهاد الإنسان للإنسان، هي النظام الوحيد القادر على تخليص الإنسانية من الاضطهاد القومي، لأنّها توفر للشعوب الأسس المادية والمعنوية والثقافية والسياسية، كي تعيش في وئام ووفاق تربطها أواصر التعاون والإخاء.
وبما أن التحرر القومي أصبح مرتبطا ارتباطا وثيقا بالتحرر الاجتماعي، وبما أن البورجوازية القومية بحكم مصالحها الواقعية "القطرية" عاجزة تاريخيا وواقعيا على صهر الوجود العربي في كل موحد، فقد انتقلت هذه المهمة بكامل حجمها التاريخي إلى أيدي الطبقة العاملة. ومن الطبيعي والمنطقي أن تطبعها بطابعها، وأن تأخذ المسألة القومية بعدها الاشتراكي.
وزيادة على ذلك، فإن الاشتراكية، هي وحدها التي تلغي الاضطهاد الذي تمارسه البورجوازية "القومية" أو القطرية ضد الأقليات القومية والعرقية والثقافية الأخرى في البلدان العربية (الأكراد والإمازيغ والأقباط وغيرهم)، وهي وحدها التي لا تتجاهل خصوصيات كل شعب من الشعوب العربية المتأتية من ظروف اندماجه في الهوية العربية ومن سعي البورجوازيات القطرية لتفكيك الروابط القومية وتعويضها "بقوميات" أو"أمم قطرية"تستمدها من الجوانب الحضارية المنصهرة في الحضارة العربية (البربرية والقرطاجية والفرعونية والبابلية والآشورية...الخ)، وهي وحدها التي تأخذ بعين الاعتبار التطور اللامتكافئ لمختلف البلدان العربية والمكاسب الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية التي تحققت في الأطر القطرية والتي تؤهل هذا الشعب، دون غيره، للمرور إلى الاشتراكية.
إن هذه العوامل مجمّعة، هي التي تؤكد أن الطريق الممكن لتحقيق الوحدة العربية هو بناء الأمة العربية الاشتراكية.
1
التناقض الرئيسي في المرحلة الراهنة قائم بين الديمقراطية من ناحية والدكتاتورية والاستبداد من ناحية أخرى
لا تزال تونس ترزح تحت نظام حكم دكتاتوري، بعد مضي نصف قرن على إنهاء الوجود الاستعماري المباشر الفرنسي، يتعارض مع مبادئ وقيم وآليات النظام الجمهوري التي أعلن قيامه عليها عند الإعلان عن الجمهورية في 25 جويلية 1957. وقد تمكن من إحكام قبضته على المجتمع وإخضاعه وإفراغ مفهوم المواطنة والمجتمع المدني من مضمونه الحقيقي فهمش المواطن عن المشاركة في الحياة السياسية وفرض عليه العزوف وتجنب العناية بالشأن العام. ومثل بذلك عائقا أمام انتقال البلاد إلى نظام حكم ديمقراطي وأجهض كل المحاولات التي ظهرت من داخله ومن خارجه.
ومثل مشروع "الجمهورية الإسلامية"، أي الدولة الدينية، الذي تعمل حركة النهضة والحركة الإسلامية عموما على تنفيذه، خطرا حقيقيا على الحريات العامة والفردية وعلى الديمقراطية والسلم الأهلية وحقوق الإنسان، وتهديدا لمكاسبنا الحضارية والثقافية والاجتماعية، باعتبارها مشروعا استبداديا متسترا بالدين.
يخيّم "المشروع الإسلامي المعتدل" والمتطرف بكل ثقله على الحياة السياسية، ويلقى الدعم من البترودولار ومن إيران ومن الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي، اللذان يعملان على تأهيله كحزب تداول، ممّا جعله يستعد "للمشاركة في الحياة السياسية" وفي السلطة، إن سمحت له الظروف بذلك.
ويستفيد أيّما استفادة من الهجوم الصريح الذي تشنه الفضائيات الخليجية على كل ما هو نيّر وتقدميّ في ثقافتنا وتراثنا ومكاسبنا. ويستفيد أيضا من الرّدة الحاصلة في المجتمع وفي الذّهنية العامة للمواطن التونسي، التي تغذّيها الدكتاتورية بمصادرة الحريات العامة والفردية ومنعه من تأصيل مكاسبه والتحفز لحمايتها، كما كان استفاد من دعمها المباشر لمّا كان "الاتجاه الإسلامي" يصدر "مجلة المعرفة" بمطبعة "الساجاب" بدار الحزب الحاكم.
وإذا كان نظام الحكم الدستوري يمثل العائق الأساسي الأول أمام تحقيق الديمقراطية في بلادنا وإرساء نظام جمهوري ديمقراطي، فإن الحركة الإسلامية بمشروعها الإستبدادي المتستر بالدين وبما تدفع إليه من ردّة عامة في المجتمع، تمثل العائق الأساسي الثاني. وكلاهما يشكلان الطرف الرئيسي في التناقض الذي يميّز المرحلة التكتيكية الراهنة والذي يقابل بين الديمقراطية من ناحية والدكتاتورية القائمة ومشروع الإستبداد المتستر بالدين من ناحية أخرى.
والجدير بالملاحظة هو أن هذا التناقض يتعلق "بشكل الدولة" وأن حلّه لا يتحقق إلاّ بإقامة الجمهورية الديمقراطية، وبالتالي المرور من شكل "جمهوري دكتاتوري" للدولة إلى شكل "جمهوري ديمقراطي". وعلى هذا الأساس بالذات لا يمكن القبول بمشاريع الدولة الدينية، لأنها تعني إقامة نظام حكم استبدادي، متستر بالدين، مما يجعلها موجودة في الصف المقابل للديمقراطية وبالتالي فهي مكونة من مكونات الطرف الرئيسي في التناقض الذي يقابل بين الديمقراطية من ناحية والدكتاتورية والاستبداد من ناحية أخرى.
أما التناقض العام، أي الرئيسي في المجتمع، الذي يقابل بين البورجوازية والطبقة العاملة والشعب فيتعلق بجوهر الدولة البورجوازي.
وإن الخلط بين هذين النوعين من التناقضات يحدث خلطا في المراحل والمهمات والتحالفات.
2
بصدد "شكل الدولة"
تؤكد وقائع التاريخ السياسي في تونس أن شكل الدولة أصبح جمهوريا في 25 جويلية 1957 ومرّ من الديمقراطية الليبيرالية إلى الدكتاتورية في ما بين الإعلان عن الجمهورية إلى حدود محاولة انقلاب لزهر الشرايطي وعبد العزيز العكرمي في 1961، ثم تحول إلى نمط حكم فردي لما فشلت محاولة الإصلاح من الداخل التي سعى الليبيراليون إلى القيام بها في مطلع السبعينات.
إن الجمهورية في الواقع هي دكتاتورية الطبقة البورجوازية على الطبقة العاملة والشعب الكادح. وتأخذ أشكالا عدّة تفصل بينها درجات ومستويات يحددها ميزان القوى بين الطبقات وتكشف على درجة نضج واكتمال الدولة البورجوازية، من حيث تحولها إلى دولة سياسية، تحقق في ظلها الفصل بينها وبين الدين.
أما الشكل الفاشي للدولة الرأسمالية فهو شكل للدولة ديكتاتوري سافر لطغمة رأس المال المالي الأكثر تطرفا وشوفينية وعنصرية، تظهر في الأزمات للدفاع عن مصالح البورجوازية ككل والتصدي للثورة.
وبالنظر للطابع الاستثنائي لهذا الشكل، فان الفرق الفاشية التي تمسك بالسلطة تتخذ إجراءات استثنائية، تلغي بموجبها البناء المؤسساتي القائم للدولة وللمجتمع المدني وتعوضه بأجهزة إنكشارية ناجعة في حركتها تحت إمرة الحاكم بأمره.
وإذا كان الشكلان الدكتاتوري والديمقراطي للجمهورية يختلفان كمّيا فان اختلافهما مع الشكل الفاشي نوعي. لأن الشكلين الأولين يراعيان المؤسسات، في درجات متفاوتة من الشكلية التي يقبل بها كل نمط، في حين أن الفاشية لا تقيم أي وزن لهذه الشكليات ولا لهذه المؤسسات التي يعتبرها عبثية وغير مجدية. لذلك لا يقبل بوجودها، تحت تبريرات مختلفة عقائدية أو سياسية أو إيديولوجية، مهما كانت طبيعتها بورجوازية كانت أم عمالية أو شعبية، ويعرضها للتصفية والقمع الأعمى أبدت مقاومة أم لم تبد.
ومن اجل إخضاع الشعب الكادح وكبت الصراع الطبقي تسعى الطبقة البورجوازية تلقائيا إلى جعل السلطة التنفيذية تبتلع السلطة التشريعية وتفرض على السلطة القضائية التبعية والإدارة والجيش والبوليس، إلى أجهزة ضخمة تهيمن على المجتمع ككل... لذلك يسهل المرور من الديمقراطية الليبيرالية إلى الدكتاتورية، ومن الدكتاتورية إلى الفاشية، إذا لم توجد سلطة مضادة في المجتمع قادرة على إجهاض كل محاولات الاستئثار بالحكم وانتهاك الحريات والتعدي على قيم ومبادئ الجمهورية.
والجدير بالملاحظة هو أن "شكل الدولة" متغيّر، في حين أن جوهرها يشهد أكثر استقرارا. لأن الأول خاضع لفعل موازين القوى بين البورجوازية وعموم الكادحين، والتي فيما بين مختلف كتل البورجوازية، والمتعلقة أساسا بأسلوب حكمها، في حين أن الثاني خاضع للتحول من تشكيلة اقتصادية واجتماعية إلى أخرى، وهو حدث لا يتحقق إلا بنقلة نوعية في المجتمع، التي تتحول معها طبيعة الدولة.
نشير أيضا إلى أنه لا يفصل الشكل الدكتاتوري عن الشكل الديمقراطي للجمهورية غير درجات كمّية تستمد وجودها من النّمط الجمهوري للدولة الرأسمالية ذاته، أي من كونه برلمانيا أو رئاسيا أو ملكيا دستوريا أو رئاسيا- برلمانيا.
أما الشكل الفاشي فهو على اختلاف جوهري مع الشكلين السابقين لأنه يلغي المؤسسات وكل أشكال التأطير الاجتماعي المستقل عن أجهزة الدولة (أي مكونات المجتمع المدني والسياسي).
لقد ظهرت ميول للدكتاتورية الدستورية نحو الفشستة، غير أنها لم تتمكن من إرساء شكل فاشي في الحكم، وذلك لسببين:
الأول: يتمثل في الموازنات الداخلية للحزب الدستوري وعلاقاته المتينة بالديمقراطيات الغربية وبصورة خاصة بفرنسا،
والثاني: يتمثل في وجود مقاومة ديمقراطية نخبوية مناهضة للدكتاتورية والاستبداد ومدافعة عن قيم الحرية والعدل والمساواة، تعارض، بكل ما أوتيت من قوة، هيمنة الحزب الحاكم على الحياة السياسية والجمعياتية، ويتمثل أيضا في وجود حركة شعبية، وإن كانت متقطعة ومنفصلة عن حركة النخبة، فإنها رغم عفويتها تتصدى لمظاهر الفشستة والاستبداد.
لقد شهدت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية لأواخر السبعينات والنصف الأول من ثمانينات القرن الماضي احتدادا شديدا، عبّرت عنها أحسن تعبير المواجهات المتتالية بين اتحاد الشغل والسلطة، وبصورة خاصة، خلال أزمتي 1977- 1978 و 1985- 1986 والانتفاضة الشعبية في 1984، دون أن ننسى حركة الشباب الطلابي والتلمذي والتحركات العمالية والفلاّحية، وقد ضاعف من حدتها الصراع على الخلافة، الذي كانت بداياته في أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي.
وبما أن الحركتين الديمقراطية والشعبية لم تكونا على استعداد لإقامة نظام حكم بديل عن النظام الدستوري وأن نظام الحكم لم يقدر على معالجة أزمته وبصورة خاصة أزمة الخلافة والمرور للديمقراطية والتداول على السلطة، تقدمت الحركة الإسلامية، باعتبارها، بديلا للنظام القائم من خلال مشروع الدولة الدينية، ورادع للحركتين الديمقراطية والشعبية ولكل التعبيرات النيرة والعقلانية.
فقد اعتبرت الديمقراطية والنقابة وحرية المعتقد وتعدد الأحزاب والمساواة بين المرأة والرجل ...الخ، بدعا غربية وخروجا عن الدين وكفرا وإلحادا. وقدّمت حلولها التي تدعو فيها إلى عودة المرأة للبيت باعتبارها السبب في بطالة الرجال وإلى تطبيق الشريعة بما في ذلك تطبيق الحدود، حفاظا على الدين وحرصا على مكارم الأخلاق في المجتمع....الخ. وهي إجراءات استثنائية تبرر إلغاء المكاسب الاجتماعية والثقافية وتصفية الحريات والمؤسسات لتعارضها مع الدين.
فهذا المشروع بشكلياته ومضمونه، فاشي لا لبس فيه، وأن الحركة التي تتبناه وتعمل من أجل إرسائه، هي حركة فاشية متسترة بالدين، وذلك رغم محاولات التأقلم والتطويع الذي تجريه على خطابها، لأنها رفضت التراجع قيد أنملة على مشروع الدولة الدينية.
ورغم أن نظام الحكم "الدستوري" قائم على:
أ ـ "الحزب- الدولة" وعلى تعددية شكلية وحكم فردي،
ب ـ تبعية السلطتين التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية،
ج ـ جهاز أمني بطشي،
د ـ ترسانة من القوانين اللاديمقراطية والزجرية لقمع الرأي المخالف ومصادرة الحريات،
هـ ـ اغتصاب حق الشعب في التعبير عن إرادته والمشاركة في إدارة الشأن العام وتحويل الانتخابات إلى مجرد عملية تزكية،
و ـ تسخير الإعلام ووسائله لخدمة الدعاية الرسمية،
مما يسّر عليه إحكام قبضته على المجتمع وإخضاعه وإفراغ مفهوم المواطنة والمجتمع المدني من مضمونه الحقيقي، فهمش المواطن عن المشاركة في الحياة السياسية وفرض عليه العزوف وتجنب العناية بالشأن العام. ورغم هذا كله، فهو نظام حكم دكتاتوري لأنّ مرجعيته الدستور الجمهوري ومؤسساته التشريعية والبلدية يجري انتخابها في إطار مجلة انتخابية، ورئيس الجمهورية منتخب عن طريق الاقتراع الحرّ والمباشر، زيادة على أن الدستور يقرّ بالفصل بين السلطات وبوجود مستقل بالنسبة لمكونات المجتمع المدني والسياسي التي تتمسك باستقلاليتها.
وعلى العموم فإن مجالات الحرية تتسع وتضيق حسب موازين القوى بين الحركة الديمقراطية والشعبية من ناحية ونظام الحكم من ناحية أخرى. وهي خاصية نظم الحكم الدكتاتورية والديمقراطية التي لا علاقة لها بنظم الحكم الفاشية التي تلغي كل مجالات الفعل وتزيلها تماما إن وجدت.
3
أي بديل تونس في حاجة إليه:
الدولة الديمقراطية أم الدولة الدينية؟
يطرح النضال الديمقراطي مسألة البديل الذي تونس في حاجة إليه كي تدخل مصاف الدول المتحضرة. أي هل هي في حاجة إلى دولة سياسية، أي "جمهورية ديمقراطية"، "دولة الحق" قائمة على القانون والمؤسسات تضمن الحريات وحقوق الإنسان وتجعل منها حقوقا غير قابلة للنقض وتحترم حرية المعتقد والضمير وتعتبر العقيدة شأنا خاصا بكل مواطن، دولة تقوم على مبادئ وقيم وآليات الديمقراطية وعلى احترام إرادة الشعب في اختيار من يمثله ومن يحكمه وعلى إشراكه في العناية بالشأن العام، أم هي في حاجة إلى دولة دينية أو توظف الدين، أي جعل المعتقد يحتل حيزا كبيرا من مشمولاتها، إذا لم يكن جلها، في إدارة الشأن العام، أي أنها بعبارة أخرى "دولة استبدادية" تحت غلاف ديني؟
فقدت الدولة صفتها السياسية منذ أن استولت عليها العقائد وطبعتها بطابعها، لكن الثورات المتتالية التي شهدتها المجتمعات على امتداد التاريخ الإنساني، ظلت ترتقي بها اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا وسياسيا وحضاريا، بما في ذلك قطع خطوة حاسمة في اتجاه التفريق بين "الشأن الخاص" و"الشأن العام" وتحديد مجالات كل واحد منهما والفصل بينهما.
فالتداخل بين العقيدة والسياسة، يؤدي حتما إلى تحويل العقيدة إلى مدار للصراع والفتنة تتخفى وراءها الأغراض السياسية الحقيقية والمصالح الاقتصادية والشرائح الاجتماعية التي تمثلها، ويؤدي حتما، أيضا إلى تعويض إرادة الشعب بإرادة المقدس وإلغاء دوره لصالح "أهل الحل والعقد" و"أصحاب الشورى" وإخضاع القانون "للشرائع والكتب السماوية".
إن فك الارتباط بين الشأن العام والشأن الخاص هو ارتقاء تاريخي دخلته الإنسانية منذ الثورة الفرنسية، وهي لا محالة سائرة في طريق الانتقال النهائي من "الدولة الدينية" إلى الدولة السياسية. ومن الأكيد أن صيرورة الانتقال هذه معقدة فيها التقدم والتراجع وفيها النقلة الكمية والنوعية، وعلى العموم فهي سائرة في طريق التقدم والرقي.
في هذا السياق التاريخي عرف الإنسان التونسي أنماطا عديدة من الدولة التي توظف الدين والتي يتداخل فيها الشأن العام بالشأن الخاص، منذ العهد القرطاجي إلى العهد النوفمبري. فقد عرفت الدولة الديمقراطية من النمط الأثيني والقرطاجي والدولة الاستبدادية من النمط الروماني بصيغتيها الدينية (المسيحية) و"العلمانية"- المؤطرة إيديولوجيا بعقائد أخرى- ومن النمط الآسيوي التي غالبا ما كانت تحت هيمنة العقائد حتى وإن مثلت في حقبات عديدة واجهة، لا أكثر ولا أقل، للتعبير عن مصالح قومية للبربر ضد العرب، وأخذت في حقبات أخرى ملامح "الدولة الدينية الصافية" وعلى الأخص في مراحل احتدام الصراع السياسي على السلطة الذي أخذ صيغة صراعات مذهبية بين السنة والشيعة أو فيما بين المذاهب السنية نفسها.
لكن مع انتهاء الوجود الاستعماري في تونس وصعود الحزب الحر الدستوري- التجمع الدستوري الديمقراطي، حاليا- الذي كان يتزعمه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، إلى الحكم، أدخلت تغييرات عميقة على الدولة، حيث مرّت من النمط الاقطاعي- الاستعماري إلى الجمهورية فتمّ التضييق في مجالات تدخل الدين في الشأن العام بإلغاء المحاكم الشرعية وإرساء القضاء المدني الذي يعتمد في التقاضي على منظومة من القوانين الوضعية التي صادق عليها ممثلو الشعب في البرلمان، وإلغاء نظام الحبس، وجعل الزواج والطلاق شأنا مدنيا محكوما بالقانون، وإقرار الإقتراع العام كأساس لنظام الحكم يمكن الشعب من اختيار من يمثله ومن يحكمه… وغيرها من الإجراءات التي كان بإمكانها أن تحرر الدولة التونسية نهائيا من تدخل الدين في شؤونها أو من توظيفها للدين، لتصبح دولة سياسية بأتم معنى الكلمة. لكن مواصلة هذا الخلط، عند الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، من خلال توظيف الدين لأغراض تعبوية ومجاراة العقائد العامة واستمالة الشق العقلاني المعتدل من رجال الدين ومجانبة الضغوطات التي كانت تمارسها السعودية ومصر على تونس، هو الذي مثل عائقا رئيسيا، أمام عملية الانتقال التاريخية نهائيا إلى الديمقراطية، زيادة على التصور الكلياني للدولة- النمط الكمالي- الذي كان يستهوي رئيس الدولة الراحل.
إن التطور التاريخي، رغم تعرجاته وتعقيداته، يسير في اتجاه الدولة السياسية، وقد سبقتنا الشعوب المتحضرة في ذلك، وكلنا يعلم أنها لم تحقق هذا الارتقاء إلا بفضل التضحيات الجسام التي قدمتها لقرون ولم يكن منّة من أي حاكم مصلح. وإنجازها ذاك لم يكن بريطانيا أو فرنسيا أو ألمانيا أو سوفياتيا أو أمريكيا بل كان للإنسانية جمعاء، وما علينا إلا الاسترشاد بها والاستفادة مما حققت.
لكن مرور الدولة في البلدان الديمقراطية من "الدولة الدينية" أو التي "توظف الدين" إلى "الدولة السياسية" ليس بمثل التبسيط الذي انساق وراءه البعض، فقد كان معقدا غاية التعقيد ومتنوعا غاية التنوع، إذ قبل الإصلاحات من داخل المنظومة الدينية في الدولة الإقطاعية، في بعض البلدان، ورفضها كلّيا، في بلدان أخرى، ليأخذ منحى ثورة جذرية أحدثت قطيعة شاملة وعميقة بين الدين والدولة وبين الدين والسياسة، وبلغ الأمر في بعض اللحظات التاريخية إلى درجة معاداة الدين. لكن الإتجاه السائد كان مع احترام حرية المعتقد والضمير ومع الفصل بين الشأن العام والشأن الخاص، وبالتالي مع فصل الدين عن الدولة، وبصياغة معاصرة حياد الدولة تجاه المعتقد. لذلك لا نعتقد أننا في حاجة إلى تكرار التاريخ، حتى لا نعيده بشكل مهزلي، كما لا نعتقد في القفز على الواقع وتجاهل الثقل الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي يحد من تطلعنا إلى المستقبل، بل علينا أن نستفيد من تجارب الشعوب ومما حققته لحفز وعيينا السياسي ووعي عموم الشعب بقضية الديمقراطية التي تعد قضيته المركزية، كي ينهض لإنجاز مشروعه التاريخي المستقل.
إن التاريخ سائر لا محالة في اتجاه الدولة السياسية، لذلك ينبغي تركيز الوعي السياسي لدى الحركة الديمقراطية والتقدمية بالحاجة الماسة إلى بلورة المشروع الديمقراطي في كليته، قيم ومبادئ وآليات ونظام حكم في تباين تام مع مختلف نظم الحكم الدكتاتورية والاستبدادية باسم أي إيديولوجيا أو عقيدة كانت، أرضية أو سماوية.
4
العلمانية واللائكية أحدى أسس الدولة الديمقراطية
يعمد أغلب المفكرين والساسة الإسلاميون وطوابير أخرى من أمثالهم إلى الخلط بين المفاهيم والمصطلحات بهدف بث البلبلة حول فكرة أساسية وهي، هل يمكن للإنسان إدارة شؤونه باستقلال عن الإرادة الإلهية؟ ومن ثمة إثارة الريبة والشك حول إمكانية اعتماد الإنسانية على ما حققته من ارتقاء فكري وحضاري كي تهتدي إلى وضع قيم ومبادئ وآليات تدير على أساسها شأنها العام.
إن ربط العلمانية بالدكتاتورية واللائكية وبمعاداة الدين، والديمقراطية بالإمبريالية والاستعمار، هو مجرد مغالطة سخيفة.
فالعلمانية هي رؤية للعالم والظواهر والأشياء والمجتمع والدولة تحتكم إلى العقل، وليست سياسة أو أداة تنفيذ سياسة سلطة أو دولة ما، كي تقرن بالقمع والدكتاتورية والاستبداد. والشأن نفسه بالنسبة للائكية، التي تعني فصل الدين عن الدولة وفصل الدين عن السياسة، أي فصل الشأن العام عن الشأن الخاص، مما يعني أن لا وجود لعلاقة بين اللائكية والقمع والإستبداد والدكتاتورية.
إن الدولة القائمة على اللائكية تشيع حرية المعتقد لأنها تعتبرها شأنا خاصا، تحترمه وتصونه وهي محايدة تجاه جميع العقائد وتحجر استغلالها كما تحجر توظيف المساجد والجوامع ودور العبادة في السياسة. أما الدولة الدينية فهي تعطي الحرية لعقيدتها وتمنعها عن بقية العقائد، بحكم منطق العقيدة نفسه، القائم على التكفير والإنفراد بالحقيقة المطلقة، الحقيقة الربانية، ويكفي أن نشير إلى الدول الإسلامية التي ساست البلدان العربية والإسلامية لمدة 14 قرن.
وبما أننا في مجتمع تدين أغلبيته بالإسلام وأن بيننا من أبناء هذا الوطن من يدين بعقائد أخرى، ومع ذلك، يكون من الأقوم أن تكون الدولة محايدة تجاه جميع العقائد، أغلبية كانت أم أقلية، وأن تتكفل انتقاليا برعاية دور العبادة وصيانتها واعتبار القائمين عليها موظفين لديها، حتى لا يتسنى استغلالهم وتوظيفهم في أغراض سياسية ضيقة.
إن اللائكية والعلمانية لا علاقة لها بالاستعمار والامبريالية، فهي تتعلق بالأسس التي تقوم عليها الدولة، أيّ دولة، ديمقراطية كانت أم دكتاتورية، واستعمارية كانت أم عميلة. ويعمد الإسلاميون على خلط المفاهيم والمصطلحات كي يسهل عليهم رمى العلمانية واللائكية بالدكتاتورية والفاشية. ووضعها إلى جانب الديمقراطية، في سلة واحدة "معادية للإسلام"، وجرّ النّاس وراء أفكار تبسيطية تناسب وعيهم العفوي.
نحن الشيوعيون نناضل ضد الاستغلال والاضطهاد وضد الميز العنصري والتمييز بين المرأة والرجل ولسنا دعاة إلحاد، ولا نجعل من معاداة الدين محور نضالنا، بقطع النظر عن موقفنا الإيديولوجي والفلسفي منه، لأننا نؤمن بحرية المعتقد ونعتبره شأنا خاصا ونرفض الخلط بينه وبين الشأن العام. لذلك فإن معارضتنا للحركات الإسلامية وعدم مساندتنا لها وعدم تحالفنا معها، يعود إلى تسترها بالدين في نضالها السياسي وعملها على إقامة دولة استبدادية باسم الدين. ولذلك بالذات نحن نناضل من أجل إعلاء سلطة العقل في مجتمعنا ومنحازون إلى جانب العلمانية واللائكية.
الملامح العامة للبرنامج المرحلي
إن برنامجنا المرحلي هو برنامج اليسار الموحد باعتباره يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والشعب الكادح، ويضع على يافطته النضال في سبيل الاشتراكية كهدف استراتيجي ويأخذ على عاتقه انتقاليا إنجاز المهمة الديمقراطية- الوطنية على الوجه الأكمل والأتم، في إطار التحالف بين العمال وسائر الفئات الشعبية الكادحة.
واعتبارا، للمرحلة التكتيكية التي نحن بصددها، والتي يميزها التناقض بين الديمقراطية من ناحية والدكتاتورية والاستبداد المتستر بالدين من ناحية أخرى، فإننا نناضل من أجل إقامة "الجمهورية الديمقراطية" في بلادنا، باعتبارها نظام حكم بديل عن الدكتاتورية "الدستورية" ومعارض لمشروع الدولة الدينية الذي تسعى الحركة الإسلامية إلى إرسائه، في إطار تحالف واسع بين الطبقة العاملة والشعب الكادح والشرائح الليبيرالية من البورجوازية، مؤسس على:
أ ـ فصل الدين عن الدولة وعدم توظيف الدين في السياسة من قبل أي طرف مهما كان في السلطة أو المعارضة.
ب ـ احترام الحريات العامة والفردية وحرية المعتقد وحقوق الإنسان وضمان ممارستها وحمايتها من الانتهاك والتعدي.
ج ـ المساواة التامة بين المرأة والرجل وعدم التمييز بين مختلف أفراد المجتمع على أساس الجنس أو العقيدة.
د ـ اعتبار الاقتراع العام المباشر المصدر الشرعي الوحيد للسلطة.
هـ ـ احترام المجتمع المدني باعتباره فضاء المواطنة والحرية والتعاقد ومجالا من مجالات السلطة المضادة.
و ـ حياد الإدارة تجاه المواطنين بقطع النظر عن معتقدهم وانتمائهم السياسي.
ز ـ التداول على السلطة والفصل بين السلطات، واستقلالية السلطة القضائية على السلطة التنفيذية ومراقبة السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية.
ص ـ معارضة أساليب الحكم الفردية في إدارة الشأن العام واحترام المؤسسات والقانون.
وحتى تكون للجمهورية الجديدة أسس ثابتة، لا بد من أن تضمّن المبادئ والقيم والأسس والآليات، التي تجعل منها ديمقراطية فعلا، في دستور جديد يفتح عهدا جديدا أمام الشعب التونسي، عهد الحرية والعدل والتقدم والارتقاء الحضاري. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بدّ من مرحلة انتقالية يدرك خلالها الشعب التونسي الفرق بين مختلف المشاريع المعروضة عليه كي يكون قراره، في شأن الاختيار الذي سيتبناه، واعيا ومسؤولا. ولا بدّ لإدارة هذه المرحلة الانتقالية من برنامج انتقالي.
1
البرنامج الانتقالي
انتقاليا يناضل الحزب الاشتراكي اليساري، في إطار تحالف ديمقراطي تقدمي واسع، من أجل إجراءات عاجلة تمكن الشعب من المشاركة في الحياة السياسية ومن التعرف على مختلف المشاريع المجتمعية ومشاريع النظم السياسية المعروضة عليه، كي يضمن حصول نقلة نوعية في المجتمع ككل وليس لدى النخب أو جزء منها فقط.
وتتمثل هذه الإجراءات العاجلة في:
أ - إصدار قانون عفو تشريعي عام يعيد الاعتبار لأصحاب الرأي بمختلف أجيالهم وللسياسة مكانها في المجتمع بإخراجها من دائرة التجريم.
ب - تحرير الحياة السياسية وتمكين الراغبين في تكوين أحزاب وجمعيات وإصدار دوريات وبعث وسائل اتصال، على أساس مدني، من ذلك.
ج - فصل جهاز الحزب الحاكم عن أجهزة الدولة وفي المقام الأول عدم تحمل رئيس الدولة مسؤوليات حزبية، وضمان حياد الإدارة تجاه المواطنين والأحزاب والجمعيات، وجعل الحكومة مسؤولة أمام مجلس النواب …
د - إزاحة القوانين التي تعطل ممارسة الحريات وإحداث أخرى تضمنها وتحميها من الانتهاك.
هـ - تنقيح المجلة الانتخابية بما يضمن حق الترشح والانتخاب ويرفع عن العملية الانتخابية تحكمية الإدارة وهيمنة الحزب الحاكم، ومنها إلغاء نظام القائمة الأغلبية وتعويضه بالتمثيلية النسبية وإلغاء نسبة المقاعد المخصصة للمعارضة وإعادة الاعتبار للاقتراع العام الحر والمباشر كوسيلة يعبر بها الشعب التونسي عن إرادته ويختار من يمثله ومن يحكمه وتجريم كل تزوير وتلاعب بالانتخابات.
و - احترام حرية المعتقد، على أن تكون الدولة محايدة تجاه المعتقد، وأن يحجر توظيف الدين والمساجد والجوامع وبيوت الصلاة في السياسة من قبل أي كان في السلطة والمعارضة.
ز - إنشاء مجلس دستوري يتألف من قضاة ورجال قانون وشخصيات مشهود لهم باستقلاليتهم عن الحزب الحاكم، يتظلم لديه المواطنون والشخصيات المعنوية، ويشرف على صياغة القوانين الخاصة بهذه المرحلة الانتقالية.
ص - تحرير الإعلام ورفع يد الحزب الحاكم والسلطة التنفيذية عليه وتخليصه من الدور الدعائي الذي فرض عليه، كي يتحمل رسالته في إيصال الخبر والمعلومة وفي نشر قيم العدل والحرية والتآخي بين الشعوب وإلغاء كل أنواع الرقابة عليه وحل وكالة الاتصال الخارجي وتعميم الدعم لدوريات الرأي.
ع - مراجعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية في اتجاه بناء اقتصاد وطني يلبي حاجيات السوق الداخلية في إطار من التكامل المغاربي والعربي والتعاون الإقليمي والعالمي على أساس التكافؤ، ويحمي الشغالين والكادحين من الإهتراء المادي والمعنوي ويفتح أفاق التشغيل أمام الشباب.
ف - ضمان الشفافية في المعاملات وفي علاقة الإدارة بالمواطن في علاقة المجتمع السياسي بالمجتمع ومقاومة سوء التصرف والمحسوبية والجهوية.
س - اعتبار التربية والتعليم والبحث العلمي قطاعا استراتيجيا تقوم عليه نهضة الشعوب وبه تحقق الأمم والبلدان تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية، لذلك على الدولة تحمل مسؤوليتها من أجل ضمان إجبارية ومجانية التربية والتعليم واعتماد الكفاءة في التعليم العالي والبحث العلمي ورفع مستوى التأطير الجامعي، وإجراء إصلاح شامل للمنظومة التربوية والتعليمية بما من شأنه أن يضع حدا للارتجالية ويعطي للعقلانية مكانتها ويعيد الاعتبار للشهائد العلمية.
ق - الدفاع عن المكاسب الحضارية والاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي وعلى الجانب النير والعقلاني من التراث العربي والعمل على تطويره والارتقاء به إلى المستوى الذي بلغته الإنسانية من تطور وتقدم وفتح المجال للثقافة الشعبية والتقدمية كي تنتعش وتأخذ مكان الصدارة في مخططات السلطة والتخلّي الواضح على دعم الثقافة ذات المضامين الهابطة والرجعية، والتفاعل الإيجابي مع الثقافة التقدمية العالمية.
م - تعديل السياسة الخارجية في اتجاه مساندة قضايا التحرر الوطني والاجتماعي في العالم والنضال ضدّ الصهيونية والهيمنة الإمبريالية، ومناصرة الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني في نضالهما ضد الاستعمار الاستيطاني والعنصري الإسرائيلي، والشعب العراقي في حربه التحررية ضد الاستعمار الأمريكي- البريطاني، وعامة الشعوب العربية من أجل تحررها القومي وبناء وحدتها وضد الهيمنة الإمبريالية.
2
المحاور البرنامجية للمرحلة الراهنة
1 ـ من أجل جمهورية ديمقراطية شعبية
يضم الحزب الاشتراكي جهوده إلى الحركة الديمقراطية، من أجل تغيير ديمقراطي فعلي في بلادهم، يعملون على أن يكون للشعب في هذا التغيير الدور الحاسم والفعال كي يتمكن من تحرير المجتمع بأسره لمّا يحقق تحرره من الاستغلال والاضطهاد.
ولتحقيق هذا الهدف، يناضل الحزب الاشتراكي من أجل أن يتضمن دستور الجمهورية الديمقراطية ما يلي:
أ - أن يكون، الاقتراع العام الحر والمباشر، الوسيلة التي يعبر بها الشعب عن إرادته ويختار من يحكمه ومن يمثله، والمصدر الشرعي الوحيد للسلطة، وذلك بإخضاع كل هيئات التسيير والمسؤوليات للانتخاب وسحب الثقة، وجعل السلطة التنفيذية تحت مراقبة السلطة التشريعية، وأن تكون المؤسسات التمثيلية مؤلفة على قاعدة التمثيلية النسبية حتى تساعد على إشراك كل القوى والفئات في الحوار والتسيير والقرار.
ب - تحجير الترشّح، للمسؤولية أو التمثيل البلدي أو الولائي أو النيّابي، لأكثر من دورتين متتاليتين، بما في ذلك رئاسة الجمهورية.
ج - ضمان الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان واعتبارها غير قابلة للنقض.
د - الفصل بين السلطات واستقلالية القضاء.
هـ - التنصيص على علوية الدستور وتمكين القضاة من حقّ إزاحة القوانين التي لا تتماشى مع روحه.
و - إلغاء القوانين غير الديمقراطية وتعويضها بأخرى تحمي الحريات وتضمن ممارستها.
2 - بناء اقتصاد وطني اجتماعي تضامني
يناضل الحزب الاشتراكي من أجل أن تكون لسلطة الجمهورية الديمقراطية اختيارات اقتصادية قادرة على تمكين الاقتصاد الوطني من أساس ثابت يقوم عليه، وذلك عن طريق:
أ - استعادة الدولة لمكانتها الاقتصادية من خلال حماية وتطوير القطاعات الإستراتيجية العمومية وتشجيع الرأسمال الوطني على الاستثمار ولعب دوره في التنمية، كي يصبح قادرا على المساهمة في تلبية حاجيات السوق الداخلية وحاجيات الشعب.
ب - التنمية المستقرة التي لا يمكن تحقيقها إلا في إطار إقليمي بين الدول المغاربية وفي إطار تعاون عربي وعالمي قائم على التكافؤ والسيادة الوطنية على الثروات والإختيارات.
ج - تنمية الادخار الوطني والتعويل عليه في الاستثمار والتحرر من كابوس المديونية بحيث لا يجري التوجه للسوق المالية العالمية وللاقتراض إلا عند الضرورة وبعد دراسة دقيقة.
د - اتباع سياسة ضريبية تصاعدية على الدخل والثروة وتوظيف أداءات خاصة على المواد الكمالية والبذخ.
هـ - ضبط خطط اقتصادية تحقق التوازن بين الجهات في التنمية وتدفع إلى تطوير الإمكانيات الخاصة للاقتصاد الوطني بدل الالتجاء إلى التوريد.
و - تطوير الفلاحة وعلى الأخص في قطاعات الاستهلاك الشعبي بما يضمن الاكتفاء الذاتي.
ز - حماية النسيج الصناعي الوطني من التفكك.
ص - ربط العلم والتكنولوجيا بكافة فروع الاقتصاد، وضبط خطة لتطوير اقتصاد المعرفة.
ع - تدخل الدولة في تجارة الجملة الداخلية عبر الدواوين وفرض أسعار احتكارية على الخواص ومراقبة تجارة التفصيل، واحتكار التجارة الخارجية للمواد الإستراتيجية.
3 - اختيارات اجتماعية تحمي مصالح الشغالين والشعب الكادح
يدافع الحزب الاشتراكي على أن تكون اختيارات الجمهورية الديمقراطية في خدمة مصالح الشغالين والشعب الكادح، وذلك بـ:
أ - تحميل الدولة مسألة تأمين التشغيل للشباب، في المؤسسات العمومية وشبه العمومية والخاصة، وحماية الشغالين من الطرد التعسفي.
ب - جعل الأجور تتناسب والمجهود الذي يبذله الشغالون من أجل تنمية الثروة الوطنية، وتحسين ظروف عيش الكادحين، والتحكم في الأسعار كي لا تؤثر سلبا على مقدرتهم الشرائية (ربط الأجور بالأسعار).
ج - ضمان الحق النقابي للشغالين وحق باقي الفئات في تنظيمات مهنية تدافع عن مصالحهم.
د - تطوير المكاسب الاجتماعية للمرأة وإزالة مظاهر الميز بينها وبين الرجل ووضع حد لكل مظاهر التسلط والعنف والامتهان التي تستهدفها.
هـ - تمكين العاطلين عن العمل والمعوزين من جراية تحمي كرامتهم وتضمن لهم حدا أدنى معاشيا.
و - مقاومة المظاهر الجديدة للتشغيل ومن ضمنها المناولة.
ز - إقرار نظام موحد للضمان الاجتماعي والمنح العائلية ومنحة الأجر الوحيد، بما يساعد العائلات الكادحة على توفير ظروف لائقة لتربية أبنائها ورعاية أفرادها وصيانتهم اجتماعيا.
ص - إقرار نظام موحد للتأمين على المرض بما يساعد الطبقات الشعبية على علاج جدي ورعاية صحية جيدة لا تقل شأنا عن التي يتمتع بها غيرهم من الميسورين مع توسيع مجالات الاستشفاء العمومي.
ع - العناية اللازمة بالبيئة والمحيط من أخطار التلوث بمختلف أشكاله لضمان محيط حياتي سليم للسكان.
ف - التصدي للمضاربة على الأكرية والحد من أسعارها المشطة وعلى الأراضي الصالحة للبناء وفرض تهيئة عمرانية وبنية تحتية إستراتيجية وفرض المناطق الخضراء اللازمة وحماية الأراضي الفلاحيّة من الزحف العمراني . . .إلخ.
س - العناية بالمهاجرين باعتبارهم مواطنين تونسيين لهم نفس الحقوق والواجبات كغيرهم من المواطنين بما في ذلك تمكينهم من التمثيل النيابي ومساعدتهم على الاندماج في البلدان المضيفة أو العودة إذا قرروا ذلك، ومساعدة الذين هاجروا بصورة غير شرعية على تسوية وضعياتهم وعدم تركهم عرضة للمساومات المهينة والتشغيل غير الإنساني.
4 - تعليم ديمقراطي جمهوري حداثي
يعتبر الحزب الاشتراكي أن التربية والتعليم والبحث العلمي قطاع استراتيجي تقوم عليه نهضة الشعوب وبه تحقق الأمم تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية وبه تتأهل لحياة سياسية متحضرة ومتطورة، خاصة وأن ثورات علمية وتكنولوجية واتصالية ومعلوماتية، شهدتها العشرية الأخيرة من القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، أشاعت المعرفة وحولتها إلى مجال مفتوح أمام الشعوب للاستفادة منها، لذلك يحرص الشيوعيون على أن تعمل الدولة على أقلمة اختياراتها الاقتصادية والتعليمية مع مقتضيات التنمية الحديثة وإزالة العراقيل التي تقف حائلا أمام حرية الإبحار وتلقي المعلومة عبر الشيكة وتشجيع المواهب على مواكبة الاكتشافات والابتكار. لذلك تعمل على:
أ - مراجعة منظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي بما يخدم مصلحة الشعب والوطن.
ب - إحداث هيكل وطني لمعالجة قضية الترابط بين منظومة التكوين والتعليم والتشغيل.
ج - تعميم التعليم وجعله مجانيا في جميع المراحل.
د - إعادة الاعتبار لمكانة التعليم في المجتمع وللشهادات العلمية قيمتها وللجامعة موقعها المتميز كمركز للعلم والمعرفة والثقافة والبحث العلمي.
هـ - وضع التربية والتعليم على أسس تشيع في الشباب والمجتمع روح العقلانية والالتزام المدني.
و - إدماج التكوين العلمي والمهني في منظومة موحدة مع تشجيع الاختصاص المبكر.
ز - تحسين التأطير من خلال الرفع من عدد المؤطرين ومن درجة مؤهلاتهم العلمية إلى مستوى المقاييس العالمية وتحسين أوضاع رجال التعليم وفتح الآفاق أمامهم كي يوظفوا كل جهدهم في العناية بالناشئة، وتشجيع البحث العلمي بما يؤهل بلادنا لتحقيق استقلاليتها المعرفية.
5 - ثقافة شعبية وتقدمية
بما أن الثقافة تكوّن الوجدان العام للشعب وتمثل الإطار الإيديولوجي العام الذي يحدد هويته فإن الحزب الاشتراكي يعمل على إعطائها بعدا شعبيا وتقدميا متأصلا في النيّر والعقلاني من تراثنا ومن التراث العالمي، وجعلها متمايزة مع المضامين الهابطة والرجعية والظلامية، حتى تكون في خدمة الشعب والوطن. لذلك فهم يناضل من أجل:
أ - أن تأخذ الدولة على عاتقها مشروع إرساء ثقافة شعبية وتقدمية.
ب - خلق مناخ يحترم ويشجع حرية الفكر والإبداع ويلغي كافة أشكال الرقابة.
ج - فتح مجالات دائمة للحوار عبر "المجالس الثقافية" في كافة المستويات المحلية والجهوية والوطنية، مألفة من هيئات ممثلة لأهل الفكر والثقافة والفن.
د - رصد وجمع وإحياء وترميم وصيانة تراثنا العريق.
هـ - وضع بنية أساسية تتلاءم والعصر، طبقا لخريطة ثقافية وطنية، تتوافق مقاييس اليونسكو.
و - دعم الصناعات الثقافية والكتاب على وجه التحديد وتشجيع السينما والمسرح.
ز - دعم التكوين الفني والثقافي وتشريك أهل الاختصاص في إعداد الخطط الخاصة لذلك.
ص - تشجيع الإعلام الثقافي وفتح المجال أمامه في المؤسسات الإعلامية العمومية.
ع - ضمّ العاملين في حقل الأدب والثقافة والفن إلى صناديق الضمان والحيطة الاجتماعية والتأمين على المرض.
6 - سياسة خارجية مناهضة للإمبريالية والصّهيونية
إن التحول الديمقراطي، الذي يناضل الحزب الاشتراكي إلى جانب القوى الديمقراطية والطبقة العاملة والشعب، من شأنه أن يضع بلادنا في موقع مناهض للهيمنة الإمبريالية والصهيونية ومناصر لقضايا التحرر الوطني والاجتماعي، وأن يعزز مكانتها بين الشعوب، عبر الأنموذج الحضاري الذي تقدمه كنمط منصهر في العقلانية والنير من التراث الوطني والعالمي وفي التحرر الاجتماعي والسياسي وفي مبادئ وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وبالنظر للتحولات الكبرى التي شهدها منذ مطلع العشرية الأخيرة من القرن الماضي، يتحتم على بلادنا الاندماج في مشروع بناء مغاربي يخدم مصلحة الشعوب والبلدان المكونة له، ويكون قادرا على التعامل مع التكتلات الاقتصادية الكبرى والجيوسياسية. وينبغي على بلادنا أن تسهم أيضا في التقارب العربي على أساس المصالح المشتركة لجميع الأقطار، وفي إيجاد الحلول الملائمة للأوضاع الخطيرة التي تعيشها المنطقة العربية.
كما ينبغي أن تقوم، علاقات بلادنا الدولية، على علاقات التكافؤ مع مختلف الأطراف وعلى احترام السيادة الوطنية واستقلالية القرار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعلى التعاون مع القوى الديمقراطية وعلى مناصرة قضايا التحرر في العالم والقضايا العادلة وعلى مناصرة نضال الشعوب العربية ضد العدوان الإمبريالي والصهيوني في كل من العراق وفلسطين ولبنان، من أجل تحقيق تحررها الوطني، وعلى مناهضة الهيمنة الإمبريالية على كافة شعوب المنطقة العربية التي تقف في وجه وحدتها.
على هذا الأساس فإن الشيوعيين يناضلون من أجل دعم التضامن الأممي بين العمال والشعوب والأمم المضطهدة ويعملون تبعا لذلك على تمتين روابطهم بالأحزاب اليسارية والتنظيمات الشعبية لمناهضة العولمة النيوليبيرالية.
تونس في 01 أكتوبر 2006