بيان الحزب الاشتراكي بمناسبة ذكرى 9 أفريل
من أجل برلمان ممثل لإرادة التونسيات والتونسيين
تأتي ذكرى عيد الشهداء هذا العام في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة وغير مسبوقة، ففي حين تتواصل محاكمات الرأي والزج بالمعارضين في السجن وتعدد قضايا " التآمر على أمن الدولة "، يجد عديد الصحفيين والمدونين والنقابيين أنفسهم ملاحقين قضائيا (محمد بوغلاب، شذى الحاج مبارك، أنيس الكعبي، الصندي لسودي، زياد الهاني...) وتتوالى شكايات الوزراء والمسؤولين الكبار بكل ناقد لعمل أجهزتهم، ويتم تحريض مواطنين لرفع قضايا مختلفة بسياسين وإعلاميين في وقت تواصل فيه هيئة الانتخابات عن طريق المرسوم 54 تقديم القضايا ضد منتقديها، بمن فيهم من كانوا أعضاء فيها ومنتقدي مسار 25 جويلية. أما من الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فمعاناة الناس تتزايد كل يوم بفعل غياب المواد الأساسية أو ندرتها أو بفعل الأسعار المشطة والزيادات المتتالية وعدم توفر أي إرادة حقيقية لتغبير منوال التنمية الحالي والإمعان في مواصلة نفس الخيارات الاقتصادية النيوليبرالية تحت مسمى ميزانيات التقشف، ستعمّق الفوارق الطبقية وتزيد من مأساة الشعب التوتسي.
تعود هذه الذكرى اليوم ورئيس الدولة فد استفرد بالسلطة واعتبر أن الحرب التي يقودها هي "حرب بقاء أو فناء" حسب ما صرح به في ذكرى وفاة الحبيب بورقيبة منذ يومين. وقد ذهب في سبيلها إلى محاولة القضاء على كل مشروع سياسي مختلف يعارضه، أحزابا كانت أم جمعيات أو منظمات جماهيرية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل في سنة يحين فيها موعد الاستحقاق الرئاسي حسب دستور 2014 الذي رفع الرئيس الحالي إلى رأس السلطة وأقسم على احترامه في ظل غياب أدنى شروط انجازها وتأخر الأوامر الترتيبية التي كلّف بها الرئيس، هيئة الانتخابات وتغيب فيها أدنى مقومات التنافس وتساو الفرض والحظوظ.
تعود ذكرى 9 أفريل هذا العام والبرلمان التونسي، الذي نادى به الشعب يوم 9 أفريل 1938، وضحى من أجله المئات من التونسيات والتونسيين يشهد اليوم تحوّلا جوهريا في دوره، حيث فقد صفته كسلطة تشريعية، وأصبح وظيفة تحت إمرة رئيس السلطة التنفيذية. بينما يمثل البرلمان في الأصل عمادا من أعمدة الجمهورية وسلطة من سلطاتها الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية) المستقلة والمتوازنة، ويتكوّن من نوّاب للناخبات والناخبين من مختلف طبقات المجتمع وفئاته حصلوا على ثقتهم على أساس البرامج التي تقدّموا بها إلى الشعب في انتخابات حرّة وديمقراطية، كمرشحين لأحزابهم وائتلافاتهم السياسية وبعد كسب الثقة يصبحون ممثلين لسلطة الشعب وباسمه يراقبون السلطة التنفيذية ويحاسبونها ويسحبون منها الثقة إن لزم الأمر. أما اليوم فبعد الإعلان عن حالة الاستثناء في 25 جويلية 2021، تطبيقا للفصل 80، والتي أعطاها الأمر 117، الإطار القانوني الذي خوّل للرئيس إزاحة دستور 2014 وعوّضه بدستور 2022، وتفكيك مؤسسات الجمهورية وهيئاتها تم تنصيب أخرى تتماشى مع رؤيته الخاصة حول التمثيل البرلماني ودعى الناخبين لانتخابات برلمانية جديدة، بعد تنقيح القانون الانتخابي الذي غير طريقة الترشح والتصويت غير أن هذه الانتخابات لم تشهد نجاحا انتخابيا، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة الـ 12% من مجموع الناخبين، رغم أن كل إمكانيات الدولة، الدعائية واللوجستية سخّرت لإنجاحها، ورغم الجهد الذي بذلته هيئة الانتخابات في ردع كل نقد موجّه لها، بمن فيهم أولائك الذين غادروها، باعتماد المرسوم 54. وبصورة موازية للمجلس النيابي الجديد، انطلق في التأسيس لمشروع "البناء القاعدي" المتمثل في انتخاب المجالس المحلية، وفي تعيين المجالس الجهوية، وفي اختيار مجالس الأقاليم على أساس القرعة وأخيرا في انتخاب أعضاء مجلس الجهات والأقاليم وتمّت كل هذه العملية بدون قوانين تنظم عملها وعلاقة مجلس الأقاليم والجهات بالمجلس النيابي ولم يمنع الفشل الانتخابي الذريع في مواصلة نفس التمشي مع السلطة القضائية التي حوّلها إلى وظيفة، فحلّ المجلس الأعلى للقضاء في مناسبتين واختار مجلس طيّع للسلطة التنفيذية، التي حافظ فيها رئيسها فقط على صفته كسلطة، بينما ارتدت الحكومة إلى مستوى الوظيفة التابعة للرئيس، الذي واصل "تحرره تماما"من كل القيود القانونية والمؤسساتية التي تعطّل مواصلة مساره، فرغم أنه أعاد صياغة قانونها واختيار أعضاءها بصفاتهم وهو الذي يعينهم في مراكزهم ولا يمكن أن يتوقع منهم "عصيانا" فقد رفض تركيز المحكمة الدستورية، مثبتا بالدليل أنه لا يقبل بوجود إمكانية واحدة لسلطة تعادل سلطته أو تعلو عليها ولو شكليا!!
إن الحزب الاشتراكي وهو يتابع بانشغال تام الوضع الخطير للحقوق والحريات في تونس، تفكيك مؤسسات الجمهورية وتعويضها بأخرى صورية، في خدمة الحكم الفردي المطلق، يعتقد أن النضال والمقاومة وحدهما كفيلان باسترجاع دور هذه المؤسسات وعملها وإصلاح ما فسد منها وتقويمه. وتمكين الجمهورية من مؤسسات قارّة وقوانين ديمقراطية وآليات شفافة تضمن للشعب باختيار من يمثله ومن يحكمه ضمن منوال تنمية تضامني بمضمون وطني وقائم على الاقتصاد الاجتماعي.
إن الحزب الاشتراكي، بمعية قوى المعارضة الجمهورية، الديمقراطية واليسارية والاجتماعية، سيواصل جهوده لإنقاذ الجمهورية من الخيار الدكتاتوري الفردي الذي ارتدت إليها أوضاع البلاد، بعد الإعلان عن حالة الاستثناء في 25 جويلية2021، وسيعول على طاقات الشعب التونسي وسيعمل مع قواه الحية نساء ورجالا من أجل من تحسين أوضاعه الاجتماعية المتردية وإنقاذ المجتمع من أزمته الشاملة.
عاشت الجمهورية
عاشت تونس حرة ومستقلة
الأمين العام المنصف الشريقي
تونس في 9 أفريل 2024