بيان الحزب الاشتراكي بمناسبة العيد العالمي للعمال
تحيي الطبقة العاملة العالمية وعموم الشغالين عيد العمال هذا العام والعالم يتابع عملية الإبادة الجماعية التي يقوم بها الكيان الصهيوني للشعب الفلسطيني في غزّة بدعم ومساندة امريكا وغالبية الدول الاوروبية في حين ساندت فلسطين وقطاع غزة كل القوى المحبة للسلام من كل قارات العالم من حركات نسائية وشبابية اضافة الى دخول طلبة الجامعات العالمية في امريكا وكولمبيا ودول امريكا اللاتينية وأوروبا في احتجاجات طلابية وشعبية عارمة في الايام الاخيرة وهي نضالات ضد الاستعمار والفاشية والصهيونية.
يشهد العالم أوضاعا في غاية التعقيد محفوفة بمخاطر جمّة تدفع يوما بعد يوم نحو صدام دولي، قد يكون نوويا، بين القوى العظمى التي تريد إعادة اقتسام النفوذ بين امريكا والاتحاد الأوروبي من جهة، وروسيا والصين من جهة ثانية. وقد أنتج هذا الصراع أزمات متتالية طالت كافة أوجه حياة الإنسان وفروع الاقتصاد، فارتفعت أسعار الطاقة ومواد التغذية والاستهلاك الأساسية والخدمات العمومية والصحية وتدهورت المقدرة الشرائية للعمال والشغالين عموما، حتى أن عموم مكاسبهم أصبحت مهددة بالاندثار، زيادة على ما تتعرّض له حياة الإنسان من مخاطر بصورة عامة، جراء الاستغلال المفرط للطبيعة الذي أصبح يهدد كوكب الأرض حيث ان نمط الإنتاج الذي تتبعه الدول الرأسمالية العظمى كان انتاجا من اجل الانتاج مما جعل هذا الكوكب عرضة لانبعاث غازات سامة بفعل الاستخدام المفرط للشركات والمصانع الكبرى بدون ضمانات فعالة للبيئة وتجنيب السكان أمراضا مزمنة متعددة ومستجدة وهو ما أنتج احتباسا حراريا متزايدا غيّر العوامل المناخية ، ففتك الجفاف بعديد البلدان وهي التي تواجه شحا مائيا تاريخيا واصبحت شعوبا اخرى مهددة بنقص التغذية و المجاعة، وأمام هذه المتغيّرات وجد العمال والشغالون والشعوب أنفسهم مجبرون على العودة للنضال من جديد دفاعا عن مكاسبهم وحرّيتهم وعن حقهم في حياة كريمة، ودفاعا عن كوكب الارض لإيقاف الاستنزاف المفرط الذي يتعرّض له من قبل رأس المال وترافق صعود اليمين المتطرف والفرق الأشد عنصرية وشوفينية وعدوانية على النطاق العالمي، مع هجوم فرق رأس المال الأكثر جشعا وأنانية على مزيد استغلال الأرض وعلى الرفع من وتيرة الاستغلال والاضطهاد الذي تتعرّض له الطبقة العاملة والشعوب والأمم المضطهدة في العالم. فهمّشت فئات واسعة وأحالت أخرى على البطالة بتسريح مئات آلاف العمال بغلق أبواب المصانع جراء غلاء أسعار الطاقة والمواد الأولية على النطاق العالمي والحروب المستعرة هنا وهناك، ودفعت بأخرى إلى العمل المنزلي للضغط على كلفة الإنتاج، ليس لخفض الأسعار بل للرفع من نسبة الربح.
يعود اليوم عيد العمال العالمي والطبقة العاملة وعموم الشعب في تونس يواجهان أزمة اقتصادية واجتماعية استفحلت وطال أمدها وأثرت بشكل كبير على الأوضاع السياسية فقد وفّرت الظروف المناسبة للرئيس قيس سعيد بإعلان حالة الاستثناء في 25 جويلية 2021 التي مكّنته من مركزة كل السلطة بين يديه في الوقت الذي واصلت حكوماته الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة، حتى وإن عارضت في العلن توصيات صندوق النقد فان ما ينجز على الأرض هو تنفيذ "ورقة تعليمات" صندوق النقد الدولي، مع غياب تام لأي برنامج إنقاذ حكومي. فالشركات الأهلية ليست سوى أحد الأشكال البدائية لتقسيم العمل لا يمكن لها أن تكون منتجة أو أن يكون لها أثر ايجابي على بقية فروع الاقتصاد رغم أن الرئيس ضغط على رجال الأعمال والإدارة لفرض تمويلها عن طريق ميزانية الدولة وخصص لها كتابة دولة، زيادة على الأموال التي قد يحصل عليها من الصلح الجزائي، تبيّن للعموم مدى الفشل الذي قادت إليه سياسات حكومتي الرئيس منذ 25 جويلية. لأنهما لا تملكان خيارات تنموية، كما الرئيس، يمكنها أن تحرر بلادنا من قبضة السّوق المالية العالمية ومن الدول المانحة وتضع أسس اقتصاد عصري متطور يقوده منوال تنمية اجتماعي تضامني.
ان الهدف الحقيقي لقيس سعيد من الشركات الأهلية يتمثل في أنه -زيادة على كونه يعتقد خطأ انها ستحل معضلة البطالة، وبصورة خاصة لبطالة أصحاب الشهائد -يؤسس لقاعدة اجتماعية خاصة بتنظيمه السياسي المنصهر في الإدارة والدولة، وهو "مشروع البناء القاعدي".
إن تفكك النسيج الاقتصادي التونسي وتحوله إلى اقتصاد خدماتي فكك شرائح واسعة من الطبقة العاملة، وأحال الجزء الغالب منها على الاقتصاد الموازي وعلى الشغل الهش كمجرد كسبة يعيشون على موارد رزق وجزء آخر على البطالة.
إنه تحوّل اقتصادي خطير؛ دهور أوضاع العمال والشغالين والشعب الكادح، زادته الأزمة التي يشهدها لما يزيد عن العقد ونيف، تدهورا. وبصورة خاصة وأن سلطة 25 جويلية بصدد الضغط على المنظمة النقابية، تمهيدا لضربها ولتجريد العمال نهائيا من الأداة الرئيسية التي توحدهم في نضالهم من أجل مطالبهم المشروعة وردّ الهجوم المزدوج الرأسمالي الجشع والاستبدادي على مكاسبهم وظروف عملهم وعيشهم.
إن الحزب الاشتراكي الذي يناضل ضد الاستغلال والاضطهاد، يتقدم للعمال والشغالين والشعب الكادح ببرنامج اقتصادي واجتماعي للخروج ببلادنا من الأزمة التي تردت فيها؛ يحمي مصالحهم ويقطع مع المنوال التنموي الذي قادنا إلى مشارف الإفلاس، ويناضل من أجل بناء اقتصاد اجتماعي تضامني بمضمون وطني، تلعب فيه الدولة دور قاطرة للتنمية بالتعاون مع البورجوازية الوطنية المتحملة لمسؤولياتها المجتمعية ويدعم الاقتصاد التعاوني لتحسين حياة الشعب الكادح.
إن الحزب الاشتراكي يعتقد أن اقتصادا بمثل هذه التوجهات بإمكانه أن يوفّر الظروف المناسبة لتحقيق الأمن الغذائي والطاقي والصحي ويأهّل البلاد للتحرر من كابوس المديونية ويسمح بتطوير كل الإمكانيات الكامنة في مجتمعنا بما فيها تطوير اقتصاد المعرفة والطاقات المتجددة ومواجهة التغيرات المناخية، ويوفّر القاعدة المادية الضرورية كي تأخذ السيادة الوطنية مضمونها الفعلي.
ولتحقيق هذه الخطوة فإن الحزب الاشتراكي يعتقد أن بلادنا في حاجة إلى مرحلة انتقالية بثلاث سنوات نجري فيها حوارا وطنيا جديا ونجري فيها الإصلاحات الضرورية على جميع الأصعدة الدستورية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لضمان الاستقرار والتنمية المستدامة والحرية والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي والانتخابات الحرّة والشفافة. ومن الطبيعي أن مثل هذه الأهداف لا يمكن لها أن تشهد النور في ظل هيمنة القوى المحافظة صاحبة المشاريع الاستبدادية، ودون تكوين قوة جمهورية مؤتلفة بين الأحزاب الديمقراطية واليسارية والاجتماعية والمنظمات الوطنية حول مشروع يهدف إلى بناء جمهورية اجتماعية متضامنة.
- وحدة وحدة يا عمال ضد القمع والاستغلال
- وحدة وحدة يا شغال ضد القمع والاستغلال
تونس في 1 ماي 2024
عن المكتب التنفيذي
الأمين العام
منصف الشريقي