النزاعات الشرق اوسطية واعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الجديدة

Apr 21, 2024 - 20:37
 0  98
مشاركة
النزاعات الشرق اوسطية واعادة  تشكيل الجغرافيا السياسية الجديدة
النزاعات الشرق اوسطية واعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الجديدة

النزاعات الشرق اوسطية واعادة تشكيل الجغرافيا السياسية الجديدة.

تعتبر منطقة الشرق الأوسط وتحديدا قلبها الممتد بين مصر غربا وإيران شرقا، وتركيا شمالا وبحر العرب جنوبا، منطقة حيوية واستراتيجية اقتصاديا وجغرافيا، السبب الذي جعلها محط أطماع القوى العالمية الكبرى للسيطرة عليها. ذلك انها تحتوي على أكثر من 30 % من احتياجات العالم من النفط والغاز، زيادة على وجود أهم معابر التجارة الدولية: (مضيق هرمز-باب المندب -قناة السويس) وأي أزمة تحدث في هذه المنطقة بإمكانها أن تؤثر بدرجة كبيرة على اقتصاديات العالم ومسالك التجارة وكلفة البضاعة وأسعار النفط والغاز والذهب. ومثلت منطقة الشرق الأوسط أيضا محور تنافس إقليمي لبسط نفوذ القوى الإقليمية، إلى جانب القوى العظمى. لذلك عاشت هذه المنطقة حالة من عدم الاستقرار، وغدت الأكثر اضطرابا في العالم. قبل الحديث عن الهجوم الإيراني ضد إسرائيل ومدى تأثيره على المنطقة، لا بد من الإشارة إلى القطرة التي أفاضت الكأس وهي الهجوم العسكري الذي شنته حركة "حماس" ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر الفارط والذي كان عملية متعددة الأبعاد ارتكزت على استخدام قدرات الاستخبارات البرية والجوية والبحرية والصواريخ والإنترنت والدعاية. ولم يكن خاف على أحد بصمة المساعدة الخارجية المباشرة والغير مباشرة وخاصة من قبل إيران ووكلائها في المنطقة مثل "حزب الله" تخطيطا وتدريبا وتصنيعا تحت الأرض لأسلحة جديدة ومختلطة. حيث مثلت ألوية عزالدين القسام التابعة لحركة "حماس" القوة الضاربة والتي تعكس سنوات من التدريب والتخطيط الجماعي المنظم الذي قاد إلى تنفيذ عملية عسكرية مركزة ومباغتة أدهشت الجميع وتحدت قوة القبة الحديدية للدفاعات الإسرائيلية. ولم يكن خاف على إسرائيل دور إيران الداعم لحركة "حماس" السبب الذي أجبر إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر على إتباع نهج جديد ضد إيران المعادية لها منذ الثورة في عام 1979وذلك بالدخول في نزاع مباشر معها تمثل في قصف قنصليتها بسوريا، بعد ان كانت تستهدف وكلائها بالمنطقة التي جعلت منهم إيران شبكة "محور المقاومة" في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين. ولكي يصبحوا جزءا من استراتيجيتها الردعية والمحور الأوسع لضمان أمنها.

لقد أعاد الربيع العربي الترتيب الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط: من النتائج الأولى لتداعيات الاضطرابات التي أعقبت الربيع العربي لسنة 2011 تشكل واقع إقليمي جديد أدى الى صياغة مشهد جيوسياسي وتحالفات جديدة بين قوى إقليمية تشابكت مصالحها مع مصالح القوى الدولية الساعية إلى مزيد إحكام قبضتها على الشرق الأوسط. حيث مثلت الحرب على سوريا منعرجا حاسما على الساحة الدولية وذلك بعودة روسيا إلى الساحة السياسية العالمية وفرضت وجودها كأمر واقع وبذلك أنهت مقولة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية التي كانت تتصرف كإمبراطورية عالمية. وعززت هاتين القوتين العالميتين – الولايات المتحدة وروسيا – مكانتهما في منطقة الشرق الأوسط بعد 2011، فبعد الشروع في تطبيق مشروع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقاما تحالفات وليدة وحوّلاها إلى ما يشبه الكتل الإقليمية. فتدخلت روسيا عسكريا في سبتمبر 2015 لدعم حكومة الأسد لتدخل بذلك في شراكة عسكرية مع إيران، وسوريا، وحزب الله. وواصلت الولايات المتحدة ركوب موجة الانقسامات الإقليمية ومواصلة التعاون مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، والتفاوض في الوقت نفسه حول خطة العمل الشاملة في ما يتعلق ببرنامج إيران النووي. وسارعت أيضا إلى تطبيق خطة التطبيع مع إسرائيل والذهاب أشواطا في تنفيذها ومد جسور الالتقاء بين إسرائيل والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن التي أعلنت صراحة اصطفافها للجانب الاماريكو-صهيوني ولعبت أخيرا دورا مهما في تدمير بعض الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي أطلقتها إيران عبر فتح أجوائها للدفاعات الإسرائيلية والفرنسية. أما روسيا فقد عززت تحالفاتها وتواجدها بشكل واضح الى جانب دول "محور الممانعة" بزعامة إيران الرافضة لنظام الأمن الإقليمي للولايات المتحدة الأمريكية والمعادية لإسرائيل.

لقد مثل التنازع الإيراني الإسرائيلي بؤرة توتر دائمة في المنطقة إذ تراوح هذا التنازع من الحروب بالوكالة الى المواجهة المباشرة مثلما حدث مؤخرا من هجوم على القنصلية الإيرانية في سوريا والرد الإيراني العسكري باستخدام الطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية. وأظهرت الهجمات الأخيرة، بغض النظر على أنها لم تتسبب في أضرار كبيرة لأهدافها في إسرائيل، قدرة إيران على استخدام أسلحتها من الطائرات بدون طيار والصواريخ ضد الدول المجاورة. غير أن هذه الهجمات قد مكنت أيضاً إسرائيل من اختبار نظامها الدفاعي الصاروخي وقوتها القتالية بالكامل، وفي الوقت نفسه وجدت فرصة جيدة لتظهر للمجتمع الدولي مستوى التهديد للأمن العالمي الذي يشكله برامج إيران للطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية. وهو ما سيعطيها ذريعة أخرى لزيادة هجماتها من أجل الحد من التهديد الذي تشكله القوات التابعة لإيران في سوريا ولبنان. وكان للهجوم الإيراني أيضا الدور الهام في إنهاء عزلة إسرائيل الدولية بسبب حرب الإبادة الجماعية في غزة ذلك أنه أعقاب الهجوم الإيراني احتشد الغرب خلف تل أبيب. كما تبادل الأردن (وربما المملكة العربية السعودية) المعلومات الاستخباراتية، وساهم بأصول عسكرية وأسقط عدداً من الطائرات الإيرانية بدون طيار في أجوائه ــ وهي صورة قوية للعرب والغربيين والإسرائيليين وهم يجتمعون معاً لمواجهة عدو مشترك... ومن جهتها مثلت هذه الهجمات فرصة لروسيا بعد أن تراجع اهتمام المجتمع الدولي بالحرب في أوكرانيا مرة أخرى. بعد هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، حيث أزيلت مسألة الحرب في أوكرانيا تدريجيا من عناوين وسائل الإعلام الدولية ووقع تعطيل منح مساعدات بقيمة 60 مليار دولار لأوكرانيا، التي لم يتم تنفيذها بسبب معارضة الكونغرس. وهو ما يجعل موسكو تزيد من حدة هجماتها على القوات الأوكرانية. في الأخير إن ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط محكوم بموازين القوى التي ستتغير مع تشكل جديد لمحاور متحالفة تتقاطع مصالحها وتتشابك استراتيجياتها وأهدافها سيؤثر بشكل مباشر في أحداث واقع جيوسياسي جديد. ولقد أدركت الدول المجاورة لإيران خطورة برنامج الطائرات بدون طيار والصواريخ الإيرانية ولما لها من خطورة على أمن واستقرار بلدان الجوار وعلى أمنها القومي، خاصة وأن معظمها لا يملك نظام دفاع صاروخي متقدم وهو ما سيزيد سباق التسلح، وإنعاش سوق السلاح والتجارة العسكرية، ممّا يعني استمرار انعدام الأمن في المنطقة.

رياض الرمضاني

17 أفريل 2024