بصدد وحدة اليسار
تـقـديـم:
تأسس الحزب الاشتراكي باعتباره أحد تعبيرات طبقة العمال والشغالين وأحد مكونات اليسار الاشتراكي واليسار بصورة عامة. وكان قد وضع على عاتقه مهمة توحيد اليسار، زيادة على مهامه الأصلية الأخرى، فتوجه إلى سائر الأحزاب والمجموعات والأفراد غير المنتظمين بمشروع برنامج ونص نظري تأليفي "حول الحزب السياسي للطبقة العاملة" ومقترع أرضية لتوحيد الشباب اليساري، بالإضافة إلى العديد من التحاليل الداعمة لضرورة توحيد اليسار الاشتراكي واليسار عموما. وذلك سعيا لتشكيل التنظيم السياسي المعبر عن مصالحها الجوهرية وعن المصالح العليا للوطن والقادر وحده على أن يؤهلها كي تدخل المسرح السياسي إلى جانب طبقة رأس المال. غير أن التطورات التي شهدتها البلاد فرضت على الجميع العناية بما يجري، فكانت المواقف متباينة إلى حدَ التنافر، حتى أن الحزب الاشتراكي أصبح وكأنه حزبا إيديولوجيا، الشيء الذي أضعف حظوظ الوحدة مرة أخرى.
لقد كان تدخل اليسار ضعيفا في الحياة السياسية وفيما شهدته البلاد من تطورات لأن تحركه لم يكن موحدا والشأن نفسه بالنسبة لمواقفه وقواه، وذلك رغم ما حظي به من سند شعبي لا يستهان به، سواء في الانتخابات التأسيسية أو التشريعية والرئاسية أو في الحراك الاجتماعي الخاص باستحقاقات "الثورة" أو في الصراع الذي قابل القوى الديمقراطية، بما فيها اليسار، والطبقة الوسطى بحكومة "الترويكا" حول المطالب الاقتصادية والاجتماعية والتنمية البشرية والتنمية الجهوية، وبالحركة الإسلامية حول النمط المجتمعي ونظام الحكم، لأنها كانت تسعى إلى فرض نمطها المجتمعي ونظامها الاستبدادي باسم الدين. فقد تمكن اليسار، بمختلف تعبيراته، من الحصول على نتائج مقبولة في الانتخابات التأسيسية على حوالي 250 ألف صوت من بين 8 ملايين الذين يمثلون مجموع الناخبين ومن بين حوالي الـ4 ملايين ناخب الذين أدلوا بأصواتهم، لم تنتج سوى 6 مقاعد، جلَها كان نتيجة وجود المرشح اليساري على يمين المرشح النهضاوي، الذي سمح لعديد الأصوات التي كانت موجهة لصاحبها الأصلي لتستقر في خانة صاحب "المكان المناسب"، وذلك نتيجة عدم فهم الناخبين لكيفية التصويت، التي لم تكن سهلة. وفي الانتخابات التشريعية لم يتجاوز اليسار حصيلة الأصوات في التأسيسية، لكن الفارق هذه المرة يتمثل في أن الأصوات التي حصلت عليها الجبهة الشعبية أنتجت 15 مقعدا بينما كانت حصيلة البقية سلبية. وقد تمكن حمه الهمامي في الانتخابات الرئاسية من الحصول على حوالي 7% من أصوات الناخبين. وتؤكد هذه النتائج على أن توحيد اليسار الاشتراكي واليسار عموما أصبح ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
لذلك عدنا لتناول الموضوع بصورة أشمل وأملنا أن نوفق في إقناع رفاقنا اليساريين بضرورة العمل لتوحيد الصفوف وتحويل اليسار إلى قوة سياسية ذات شأن في الساحة السياسية وفي المجتمع وصاحب مشروع للتنمية الديمقراطية والبشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الأسباب الجوهرية لتشتت اليسار
وممَا لا شكَ فيه أن مثل هذه النتائج لا تسمح لأصحابها من الوصول إلى السلطة وأن يكوَنوا بديل حكم وأن يتقدموا بمشروع مجتمعي ومنوال تنمية جديد للشعب يحميه من الجوع والفقر ويفتح أمامه طريق الرخاء التقدم والرقي الاجتماعي والحضاري. ويعود ذلك إلى أسباب عدة من بينها:
1 ـ أن اليسار دفع فاتورة نضاله غالية ضد الدكتاتورية وفي سبيل الديمقراطية والعدل الاجتماعي، إذ تعرض لعديد الحملات التي استهدفت تنظيماته وملاحقة إطاراته ومناضلاته ومناضليه وإيقافهم وتعذيبهم وإصدار أحكام قاسية في حقهم ورميهم في السجون أين تواصل التنكيل بهم، زيادة على ما تعرضت له عائلاتهم من مضايقات وتحرش. ورغم كل القمع الذي سلط عليه فإنه لم يطأطأ الرأس ولم ينثن بل واصل نضاله دون تشكي من ثقل تضحياته وحجم عذاباته ولم يحاول استغلالها لكسب تعاطف الرأي العام الشعبي والحقوقي والديمقراطي. ومع ذلك كانت الحصيلة ثقيلة، إذ أن التحجيم الدائم الذي استهدف تنظيماته فرض عليه أن يبقى تأثيره في حدود النخب دون أن يحقق حلمه الدائم في "الالتحام بالجماهير" حتى يتحول من وضع "الحلقات" الذي يجعل منه قوة احتجاج واقتراح، في أحسن الحالات، إلى حزب سياسي يمثل طبقة العمال ويتزعم الشعب العامل من أجل مشروع مجتمعي حرَ ومنوال تنمية، يحققان الحرية والعدل الاجتماعي، ومشروع حكم يرتقي بالطبقات الكادحة إلى مستوى يمكنها من الحكم كي تتوفر لها الفرصة التاريخية لوضع مشروعها حيز التنفيذ، مثلها مثل الطبقات السائدة.
2 ـ لقد انقسم اليسار على أساس القضايا الفكرية والنظرية التي تتعلق بتحديد المرجعيات الماركسية أو الماركسية اللينينية أو الماركسية اللينينية الستالينية أو بالماركسية اللينينية وفكر ماو تسيتونغ أو بالتروتسكية أو بالغيفارية. كما تتعلق بتأويل المقولات والتنظيرات للواقع الأوروبي والعالمي الذي كان يعيش فيه ماركس وأنجلس، أو تلك التي كان يعيشها لينين في الخلافات التي قابلته بكاوتسكي وبليخانوف وزينوفياف وبوخارين وحتى مع روزا لوكسمبورغ وبتروتسكي. وقد طالت الخلافات مجمل القضايا النظرية بشأن الدولة والثورة، والحزب اللينيني، والمركزية الديمقراطية والديمقراطية المركزية، وقيادة الطبقة العاملة للدولة والمجتمع، وقياد الحزب الشيوعي للطبقة العاملة وعلاقته بالمنظمات الجماهيرية، والطبقات والصراع الطبقي، والثورة في بلد واحد أو في عدة بلدان، والثورة الدائمة أو على مراحل، والثورة الوطنية الديمقراطية أو الديمقراطية الوطنية والمسألة القومية العربية والأمة العربية، والريف يحاصر المدينة والمدينة تقود الريف، ومسائل الحرب والسلم، والعنف الثوري والحرب الشعبية طويلة الأمد والانتفاضة وحرب الأغوار، والتحالفات، وبشأن مراحل البناء الاشتراكي وعلاقتها بالشيوعية، وحول تحليل المجتمع الذي قابل بين "الرأسمالي التابع" و"شبه الإقطاعي شبه الرأسمالي" أو "شبه المستعمر". وطالت الخلافات أيضا تحليل أزمة النظام الرأسمالي، التي اعتبرتها بعض الأطراف "أزمة عامة من شأنها أن تؤدي إلى انهيار النظام الرأسمالي وقيام الاشتراكية على النطاق العالمي"، في حين اعتبرتها أطراف أخرى "أزمة هيكلية"، بمعنى أنها تتعلق بهيكلة النظام الرأسمالي الذي يمكنه إعادة النظر فيها دون أن تجهز عليه، وبالتالي فإن "ساعة انهياره لم تحن بعد".
ومن الطبيعي أن تمكَن هذه الخلافات بعض الملكات في التنظيمات اليسارية من الظهور، باعتبار تمتلك قسطا محترما من المعرفة ولها من الذكاء بما يساعدها على تقديم قراءات خاصة لمجمل القضايا العالمية والمحلية، القديمة والحديثة، وإعطائها التأويل الكفيل بشدَ أوساط من النخب إليها، فيولد حينها زعيم لجماعة وينتهي الأمر بانقسام التنظيم.
ومازالت مختلف مكونات تعيش على وقع الخلافات الفكرية والإيديولوجية والسياسية التي شقت الحركة الشيوعية العالمية، مثل تلك التي قابلت بين لينين وتروتسكي، وهي خلافات تجاوز عمرها قرن ونيف، رغم أنها كانت تعلق بواقع محدد لهذا البلد أو ذاك وبالأوضاع العالمية، وكانت تتعلق أيضا بقراءات مختلفة لعدد من القضايا الفكرية والنظرية والإيديولوجية التي وضعها ماركس وأنجلس في تحليلهما لواقع الصراع الطبقي في أوروبا وفي العالم وللحلول التي يقترحانها لتناقضاته، تطبيقا لرؤيتهما للعالم التي تجسدها النظرية التي وضعاها. وأمام القراءات المتعددة لهذه الخلافات يجد اليسار نفسه أمام معضلات يعسر عليه تجاوزها فينقسم.
أن اليسار مشتت ومشرذم لا يوحد شيء بين أحزابه ومجموعاته وتنظيماته وغير المنتظمين، بينما نجد تيارات تقبل التقارب والتحالف مع أحزاب ومجموعات أخرى قومية وبعثية وحتى إخوانية، واعتبرت هذا التقارب من قبيل "الإبداعات الفكرية والسياسية التي أثمرت الانتصار على الدكتاتورية"، وبالمقابل تتصلب وتتشنج كلما دار الحديث عن إمكانية تقارب أو تحالف مع أطراف أخرى من اليسار، بدعوى قربها من السلطة أو مهادنة لها.
3 ـ يكون من المجحف أن نرمي الانقسامات على المسائل الفكرية والنظرية التي تعرضنا لها، في الفقرة السابقة، في حد ذاتها، لأن القبول بها يؤدي بنا إلى اعتبار الفكر الماركسي انقسامي وأن اليسار انقسامي أيضا، وهو تقدير أحادي لأن الأحزاب البورجوازية تنقسم دون أن يكون الفكر البورجوازي انقسامي في حد ذاته. لذلك فإننا نعتبر أن الأساسي في أسباب انقسامات التنظيمات اليسارية يعود إلى الكيفية التي تبنى بها الفكر الماركسي والاشتراكية العلمية، لأنها تحاكي في عقائديتها مجمل المخزون الثقافي والمعرفي السائد في المجتمع، بما فيه العقائد الدينية. وهو ذات المخزون الذي تجري فيه عملية تلقي الأفكار الجديدة واستيعابها. وبما أنه لم تحدث فيه ثورة ثقافية تخلصه من النصية والدغمائية وتشيع في التعامل معه روح النقد والاجتهاد والتخلص من المصطلحات والنعوت التي تحمل دلالات عقائدية مثل كلمة "مرتد" مثلا، حينها تتحرر العقول ويصبح بإمكان اليساري أن ينقد ماركس وأنجلس دون أن ينعت بالمحرف للفكرة أو للنص طالما احترم سياقه وظروف صياغته والسياق العام للأفكار والمقولات، حتى لا يجد الناقد نفسه وكأنه أمام نص قرآني لا يمكن مساسه. نحن أمام علم من العلوم الإنسانية يغلب عليه النسبية والتقدير الذاتي حول قضية ما، حتى وإن اعتمدنا مقاييس علمية في البحث والتحليل وفي التوصل إلى الموقف الذي نرغب في اتخاذه. غير أن اليسار تعامل عموما مع الماركسية والاشتراكية العلمية وكأنها علوم صحيحة، وكأن مقولاتها العامة مطلقة وبالتالي "صالحة لكل زمان ومكان". إن هذه الكيفية في التعامل مع الفكر الماركسي ومع الاشتراكية العلمية هي التي كل خلاف مهما كان محدودا وبسيطا يتحول إلى خلاف جوهري يشرَع للانقسام.
أما إذا تعلق الخلاف بقضية جوهرية مثل الرؤية للعالم وللإنسانية ومستقبلها وللصراع الطبقي ومآلاته وللقوى الفاعلة فيه ولدور الطبقات ولعلاقة القوة فيما بينها في رسم نسق تطور المجتمعات والإنسانية بصورة عامة، فإن الانقسام يصبح طبيعيا دون أن يحول العلاقة إلى حالة عداء قائمة بين الأطراف المتصارعة، على أن يتواصل العمل المشترك والتعاون على تحمَل مسؤوليتها المجتمعية. وقد تحدث القطيعة نهائيا إذا ما غير المعني أو المجموعة التي يعمل معها مرجعياته ومنطلقات الفكرية والنظرية والإيديولوجية والسياسية.
4 ـ كما انقسم اليسار بصورة خاصة حول الموقف من نظام الحكم، أي اعتباره دكتاتوري أو فاشي أو استبدادي أو وطني أو عميل، وعلى أساس هذا الموقف ينقسم التنظيم اليساري، لأن الخلاف يجد رابطته في علاقة بطبيعة المجتمع، شبه إقطاعي شبه رأسمالي أو رأسمالي تابع أو رأسمالي، التي تحدد طبيعة الثورة، وطنية ديمقراطية أو ديمقراطية وطنية أو اشتراكية. لذلك يتحول كل خلاف إلى خلاف استراتيجي باعتباره يتعلق بالثورة ويصبح بالتالي مبررا شرعيا للانقسامات.
وزيادة على ذلك فقد أضيف عنصر جديد، في تحديد طبيعة الثورة، يتعلق بالمسألتين الوطنية والقومية، تأسيسا على أن حركات التحرر الوطني لم تنتج عموما نظما وطنية، في قطيعة جوهرية مع الاستعمار، بل نصَبت الامبريالية عملاء لها على رأس الدولة لإجهاض حركة التحرر وإفشالها. لذلك كان التقييم السائد للنظم القائمة، لدى أغلب مكونات اليسار، أنها عميلة أو كمبرادورية، وقابلتها قراءات أخرى تعتبر أن الاستقلال قد حصل وأن المهمة الوطنية قد تحققت ومن ثمة فإن النظم القائمة وطنية وأن ما بقي انجازه، هو دعم هذا المكسب وتطوير الحياة الديمقراطية.
أما فيما يتعلق بالمسألة القومية، باستثناء "منظمة آفاق، فإن جل مكونات اليسار تعتبر أن القومية العربية قومية مضطهدة من قبل الاستعمار والإمبريالية، لأنه قسَم الوطن العربي ومنع القومية من التحقق والتحوَل إلى أمة، وفي قراءة أخرى فإن الأمة العربية قائمة وقد تحققت وحدتها منذ العصر العباسي وهي في ظل الاستعمار والإمبريالية أمة مضطهدة، لذلك يعتبر الطرفان أن المهمة الوطنية لن تنجز إذا لم تتوحد القومية أو الأمة. وفي المقابل دافعت منظمة آفاق على أطروحة "بلقنة" الوطن العربي، أي أن الاتجاه العام يتمثل في تحول الأقطار العربية إلى أمم بذاتها جراء الفعل الذي تأتيه الدول القطرية، وهو فاعل رئيسي في تكون الأمم، تماما كما كان فعل الوحدة الاقتصادية والمجالية واللغوية. وعلى هذا الأساس كانت "منظمة آفاق" تعتبر أن طبيعة المجتمع رأسمالية وأن الثورة اشتراكية، بإمكانها أن تستكمل في طريقها المهمة الوطنية والمهمة الوطنية، وأن هذه الثورة تحدث في كل قطر على حده وليست الشعوب العربية في حاجة إلى "توحيد الأمة العربية" أو "تكوَنها" عن طريق الثورات القطرية التي تحقق في النهاية قيام أمة عربية في أفق اشتراكي.
وفي إطار المسألة القومية تنتصب القضية الفلسطينية كقضية مركزية لدى جلَ مكونات اليسار باعتبارها تمثل نقيض الصهيونية العدو الرئيسي لكافة الشعوب العربية. فهي من اغتصب أرض فلسطين ومن لعب الدور الرئيسي في عملية تقسيم الوطن العربي والوطن الفلسطيني بالتحديد. غير أن "منظمة آفاق" اعتبرت أن الحلَ يكمن في القبول بحق اليهود في وطن كما الفلسطينيين. وعلى هذا الأساس يكون الحل الأمثل للقضيتين هو القبول بتقسيم فلسطين إلى دولتين. وهو الموقف العام الذي كانت الأمم المتحدة أقرته وقبل به "الكومنفورم" للشيوعية الدولية. وقد صاغت "منظمة آفاق"، هذا الموقف إلى جانب الموقف من المسألة القومية، في كراس عرف تحت اسم "الكراس الأصفر".
لقد توجت معظم القضايا التي أثيرت في صفوف اليسار بانقسامات زادت على الوضع رداءة، وبصورة خاصة لمَا أصبحت عقلية "جهادية" تحرك جل مكوناته في مواجهة السلطة، حينها دخل اليسار طور المزايدة والمغالاة في الأحكام، بحيث أصبح الثوري هو ذاك الذي ينطق بالكلمات الأشد حدة في توصيف نظام الحكم، وكان كل من يدعو لإسقاطه على التوَ، حتى وإن كان على رأس جماعة قليلة، بطلا ثوريا في "مواجهة الاستبداد"، فيقرر أن كل من لا يسير على خطاه متعاون مع السلطة، وفي أخف الحالات مهادن لها.
5 ـ وإذا كانت العلاقة بين الإستراتيجيا والتكتيك قد استقطبت حيزا من الخلافات داخل اليسار الجديد منذ نشأته الأولى دونها في العديد من المحاولات التنظيرية القيمة وكان آخرها تلك التي شهدها حزب العمال الشيوعي التونسي منذ أواخر الثمانينات ومطلع تسعينات القرن الماضي. غير أن هذه الخلافات أخذت في "الثورة التونسية" مسارا آخر يتعلق بالثورة مفهوما وواقعا مكرَسا، ظهرت في القراءات المختلفة للأحداث التي جرت في بلادنا وفي بلدان "الربيع العربي"، حول مضمون الإجابة على التساؤلات التي كانت مطروحة، هل كانت "الثورة التونسية" و"ثورات الربيع العربي" ثورة فعلا أم حراك اجتماعي أم انقلابات محجوبة بحراك شعبي حاكتها دوائر عالمية وبلدان البترودولار العربية؟
إن المسألة الرئيسية المطروحة في هذا الشأن تتعلق بتقييم الأوضاع من زاوية الثورة، أي متى تكون الأوضاع ثورية؟ ومتى تتحقق الثورة؟
والإجابة على هذين السؤالين يدلنا عليها تطور المجتمع الإنساني بحيث تكون الأوضاع ثورية متى لم يعد ممكنا لمن هم من تحت أن يقبلوا بالحكم كما في السابق، ومتى لم يعد لمن هم من فوق بإمكانهم الحكم كما في السابق، زيادة على مرور البلد المعني بأزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية مستعصية الحلَ.
وتتحق الثورة متى توفرت إلى جانب العوامل المذكورة أعلاه ظروف إقليمية وعالمية مناسبة، بمعنى أن التناقضات الرئيسية في العالم وعلى النطاق الإقليمي se neutralisent في البلد المعني بشكل يصبح فيه "الحلقة الأضعف في السلسلة الرأسمالية".
والجدير بالذكر أن العديد من منظري الفكر السياسي والاشتراكية العلمية وقادة الثورات الكبرى في العالم قد صاغوا مقارباتهم وتقييماتهم للتطورات التي شهدها الصراع الطبقي وقراءتهم لتاريخ التحولات في المجتمعات من زاوية المعايير الخاصة بالثورة.
والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه هو أين نحن فيما سميناه بالثورة في بلادنا من هذه المقاييس؟ نحن لا ندعي في العلم فلسفة لما نؤكد أن عنصرا واحدا من بين المقاييس آنفة الذكر قد توفر في رحيل بن علي عن الحكم، لأن الشعب التونسي لم يعبَر، في حراك شعبي واضح، عن عدم استعداده لمواصلة القبول بنظام الحكم كما في السابق، لأنه كان، رغم الظلم الذي سلَطه عليه الحكام، خاضعا لهم ولم يعبَر عن رفضه لهم إلا في بعض اللحظات التاريخية أو في سرَه أو في نكاته. لكن ينبغي القول أن بعض مكونات النخبة لم تكف عن التحرك، في العهدين البورقيبي والنوفمبري وحتى بعد 14 جانفي. في حين أن حركة الشعب كانت بطيئة ومتقطعة ومحدودة وغالبا ما كانت تظهر في شكل طفرات. ومنذ 17 ديسمبر 2010، انطلقت من سيدي بوزيد في شكل تحركات احتجاجية كان قد نظمها وقادها النقابيون اليساريون والقوميون، غير أنها لم تخرج عن دائرة الولاية إلا بقرار من الهيئات النقابية الوطنية والجهوية، كما أنها لم تتوسع لتشمل جهات أخرى من البلاد إلا لمَا تركت قوات الأمن مجالات واسعة مفتوحة أمام الحراك الاحتجاجي الذي كان يغذيه سقوط عدد من الضحايا، قتلى وجرحى، جراء عمليات قنص مبرمجة وتغييرات في القيادات الأمنية بشكل أدخل اضطرابا كبيرا على الجهاز الأمني ككل أفقدته قدرته على التحكم في الأوضاع. وقد أذكى ويكيليكس وقناة الجزيرة وفرنسا 24، الحراك "الشعبي"، إلى أن قرر من خطط "للربيع العربي" رحيل بن علي فرحل تحت ضباب كثيف من القصص التي تمَ تداولها خلال المرحلة الانتقالية. ولم تتوسع الحركة لتشمل شرائح أوسع من الشعب إلا بعد وقائع القصرين ـ تالة الفاجعة. أين هي إذن، حركة الشعب الرافض للحكم والذي لم يعد قابلا بأن يساس كما في السابق؟ إنها حركة رفض لم تبلغ مستوى انتفاضة الطبقة العاملة في جانفي 1978 ولا انتفاضة الخبز في جانفي 1984، فهل من المنطقي أن نرتقي بها إراديا إلى مستوى العامل الناضج من عوامل الوضع الثوري؟ وهل من المعقول أن نبرر لهذا الغموض البيَن بنوع من التمطيط في المقاييس إلى مستوى الصيرورة الثورية؟ قليلا من الصرامة في التحليل النظري!! أمَا من هم من فوق فإنهم لم يكونوا في عجز على مواصلة حكمهم كما في السابق، رغم عدم إيمان المؤسستين العسكرية والأمنية بقائدها الأعلى، بل إن من كان بأيديهم مفاتيح "الربيع العربي" هم الذين قرروا تغيير نظام الحكم في إطار أجندة "الشراكة من أجل إصلاح الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، لذلك أقدمت مكونات عدة تابعة لنظام الحكم على التخلَص من بن علي و"الطرابلسية"، فأين نحن من عجز "من هم من فوق على مواصلة حكمهم كما في السابق"؟ الواقع يؤكد أننا بعيدون عن تحقق مثل هذا العامل الأساسي من بين العوامل الدالة على نضج الأوضاع الثورية. وحين يقرر حزب ثوري المرور بالأوضاع الثورية إلى الثورة، ينبغي أن يكون قادرا على إدارتها، هذا أولا، وثانيا، أن يقف على حقيقة أن التناقضات العالمية والإقليمية qui se neutralisent في بلده، وثالثا، أن يعي بأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مستعصية الحلَ ولا يمكن تجاوزها إلا بتجاوز النظام القائم ككل. والسؤال الذي يطرح نفسه هو أين أوضاعنا من تحقق هذا العامل كي نتكلم عن ثورة؟ وزيادة على ذلك أنا لا أعتقد أنه مسموح لنا أن نتحدث عن ثورة والحزب القائد أو الائتلاف القائد، صاحب المشروع المجتمعي البديل، غائب وأن التدخل المباشر للولايات المتحدة ولبلدان البترودولار الخليجية واضح لا غبار عليه في بلادنا، والطائرات الفرنسية، نيابة عن الحلف الأطلسي تلقي بحممها على ليبيا ومخابراتها تنظم عملية اغتيال القذافي بالتعاون مع "الثوار الليبيين". فهل يعقل والحالة على ما كانت عليه أن نواصل الحديث عن ثورة؟
صحيح أن كلَ حريق ينطلق من شرارة، لكن هل كان بإمكانها أن تحرق سهلا؟ هذا شأن تجيب عليه قوة اللهب والفصل الذي اشتعل فيه واتجاه الريح،،،،إلخ. وحقيقة الأمر هي أن الشعب التونسي لم يقم بثورة بل توفرت له فرصة تاريخية للقيام بعمل إصلاحي مضمونه انتقال الجمهورية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. وقد برهن على ذلك في معركة الدستور وفي الانتخابات التشريعية والرئاسية، حين أسهم بقسط وافر في فرض دستور جمهوري ديمقراطي وفي الدفاع عن مكاسب المجتمع والجمهورية.
وقد كانت تبعات هذه الخلافات خطيرة بحيث أن من كانوا على موقف "الثورة" اعتبروا من كانوا على غير رأيهم معارضين للثورة إذا لم يكنوا أعداء لها، وعلى هذا الأساس حاولوا عزلهم عن كل حراك ائتلافي وليس هذا فقط بل كانوا يتصرفون وكأنهم أصحاب "الثورة" وصناعها وشغلوا الناس بالشعارات الثورية، هؤلاء الناس الذين كانوا عاجزين على تمثلها والقبول بها، غير أنهم تقبلوها بالشكل الذي رسمها لهم وعيهم الأولي، الذي أثرت عليه الوعود الانتخابية الوهمية، زيادة على أوضاعهم المادية والمعنوية التي ما فتئت تتدهور، الشيء الذي أنتج حركة عفوية فوضوية ساهمت في مزيد دهورة الأوضاع ويسرت على كل الذين ركبوا "جواد الثورة" أن يصبحوا فرسانا وأن يصل منهم إلى السلطة من كان مؤهلا أكثر من غيره. وهكذا وعوضا على أن يكون الحراك الشعبي مناسبة فعلية للإصلاح كان وهما لم نحصل فيه إلا على دستور يشكو العديد من الهنات بينما أصبح الطلب المادي والاجتماعي والثقافي أكثر حدته. وازداد الوضع سوء كلما ابتعدنا عن 14 جانفي، خاصة وأن جل الإصلاحات الضرورية لضبط أي مخطط تتوفر فيه أدنى مقومات الموضوعية وأدنى شروط النجاح لم تنطلق بعد. نحن أمام فرق حاكمة تعاقبت على السلطة قادت البلادselon une marche à vue دون ضبط استراتيجيا واضحة للخروج من الأزمة ولتجاوز المرحلة الانتقالية بما يسمح من استغلال الإمكانات المتاحة كي تكون خسائرنا محدودة مقارنة بما نواجهه الآن. فهم حكام ذوو مشاريع مختلفة، يدير كل منهم الشؤون العامة طبقا لمصالح داعميه ولمصالحه الخاصة. وما نحن بصدده هو تقاطع كل هذه المصالح التي ليس للشعب فيها غير الفتات ولم يحصد منها غير مزيد من التعب والمآسي.
6 ـ وبطبيعة الحال أن تشمل هذه الخلافات مختلف مكونات المجتمع المدني، إذ تطورت الأوضاع في بعض مكوناته إلى ما يشبه "حرب البسوس"، ففي الحركة الطلابية ظلت التيارات تتعدد وتنقسم حتى بلغت مستوى أصبحت معه إمكانية توحيد صفوف المنظمة الطلابية شبه مستحيل، لأن الخلافات هنا لم تكن البتة نقابية بل كانت سياسية اعتبارا وأن اليسار بمختلف مكوناته يعتبر الحركة الطلابية "طليعة وجسر"، طليعة في النضال ضد الدكتاتورية والعمالة وفي سبيل الاشتراكية والشيوعية، وجسر يمكَن الشيوعيين من "الالتحام بالشعب" وقيادته في النضال والثورة، لذلك تأخذ الخلافات بعدا إستراتيجيا تفصل بين معسكر الثورة ومعسكر الثورة المضادة. وإن اقتصرنا في الحديث عن اليسار فلأن موضوعنا هو البحث في أسباب تشتته وعدم قدرته على التحول إلى قوة بديلة. مع العلم أن وضع التيارات الأخرى القومية والبعثية ليست أحسن حال بل تشهد الوضع نفسه تقريبا، الشيء الذي جعل الحركة الطلابية شتاتا منذ أن وضعها النظام في غير القانونية، ولم تمكنها استعادة قانونيتها، في أواخر النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، من تجاوز صعوباتها بل تواصل وضعها على ما هو عليه وزاده تكاثف الخلافات تعفنا إلى مستوى حكم عليها بالعجز على تحمل دورها وتركت الساحة لزحف القوى الرجعية الإسلامية بمختلف تعبيراتها، وها هي الآن أصبحت مرتعا للإرهاب.
أما في الحركة النقابية فإن الفوز بمقعد في نقابة ما يعد قضية مركزية، إذا لم نقل إستراتيجية، بالنسبة لجل الأطراف اليسارية التي تمكنت من بعض المواقع في هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئاته، حتى وإن تطلب ذلك التحالف مع تيارات مناهضة لليسار، وإن تعذر ذلك تترك الفرصة للإسلاميين لدعم وجودهم في هياكل المنظمة الشغيلة، وتجديد نقابات التعليم الثانوي والأساسي شاهد على ذلك. ونود الإشارة في هذا الباب إلى أن بعض التيارات اليسارية، التي تمركزت في بعض هياكل الإتحاد العام التونسي للشغل، تمكنت من ذلك بدخولها تحت مظلة المركزية النقابية وبإتباع سياسة نقابية صرفة، أي نقابوية، لا تتجاوز الخطوط الحمر التي ضبطها القيادة النقابية وفرضت السير في حدودها. كما استعملت هذه الأطراف العمل النقابي مظلة للعمل السياسي، كلما سمحت الظروف بذلك. ولهذا السبب وغيره لم تتعرض للقمع إلا في المناسبات التي تمَ فيها الهجوم على الإتحاد، ممَا جعلها تحافظ على إطاراتها وقد أمكن لها تعبئتهم فبيل 14 جانفي وبعدها، فتشكلت في أحزاب سياسية، منها ما هو في وسط اليسار ومنها ما هو في أقصى اليسار.
والشأن نفسه بالنسبة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وفرع منظمة العفو الدولية بتونس اللذين كانا ميدانا لوضع اليد على هياكلها وهيئاتها، الشيء الذي جعلهما تحت القبضات الحزبية في السلطة والمعارضة، تقاسما أو هيمنة. ولم تتعاف هذان الجمعيتان من التسلط إلى اليوم، حتى وإن شهدت حرية في نشاطها الداخلي وفي حركتها في المجتمع.
موجز لانقسامات اليسار
لقد شهد اليسار الجديد، ممثلا في "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي"، خلافات محدودة عند انطلاق التجربة كانت في علاقة ببعض الأحداث أو في علاقة بتقييم الإصلاحات التي قام بها النظام الناشئ وبنقد الأسلوب البيروقراطي الذي أدار به الحزب الدستوري شؤون الحكم في البلاد والذي قد يتحوَل إلى أسلوب حكم دكتاتوري. وقد انجر عن هذه الخلافات انقسامات طفيفة. وقد أصبحت أكثر حدَة حول تقييم سياسة التعاضد والمخططات والاشتراكية الدستورية، وبصورة خاصة لمَا أصبح بعض القادة يدعون إلى إتباع سياسة "الدخولية" (l’entrisme)، أي إلى الدخول في الحزب الاشتراكي الدستوري بصفة جناح يساري له للتأثير الإيجابي في سياسته. لكن هذه الدعوة لم تعمَر طويلا أمام أحداث سيدي علي الرايس والتحركات الطلابية التي واجهها النظام بالقمع المبرح. وأنهت التحركات الطلابية والشعبية لجوان 1967، التي اندلعت بمناسبة هزيمة مصر في حربها مع إسرائيل، والأحكام الجائرة الصادرة في حق قادة هذه التحركات.
ومنذ ذلك التاريخ راجع تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي سياساته وأصبح يدعو إلى النضال ضد النظام من أجل تغييره وانتهى به الأمر في 1968 إلى دعوة الشعب للانتفاضة وتكوين السوفياتات.
وفي مطلع السبعينات ظهرت توجهات عدة داخله، بحيث دعا البعض من القادة إلى التحالف مع الليبراليين، بمن فيهم من كانوا في السلطة، من أجل إزاحة الدكتاتورية (البونابارتية) وتحقيق الديمقراطية، بينما اعتبر آخرون أن الليبراليين هم جزء من النظام، باعتبارهم يمثلون البورجوازية، وعلى هذا الأساس ينبغي النضال ضدهم تماما مثل ضد الشرائح الأخرى من البورجوازية للإطاحة بالنظام من أجل تغييره في إطار الثورة الاشتراكية. أمَا الاتجاه الثالث فينقسم إلى فرعين:
الأول، كان يمثله الداعون لخط الثورة الوطنية الديمقراطية والحرب الشعبية طويلة الأمد، اقتداء بالنمط الصيني. وقد اختار أغلبهم الخروج عن التنظيم الأم وتأسيس تنظيما جديدا أطلق عليه "التجمع الماركسي اللينيني التونسي" الذي باندماجه مع الحلقات الماركسية اللينينية ليؤسسا منظمة الشعلة في 1974 ـ 1975، بينما اختارت الأقلية العودة إلى منظمة "تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي" على إثر تحوَل عنصرها البارز إلى المهجر.
والثاني، يمثله الداعون لخط الثورة الديمقراطية الوطنية، الذين غيروا خط الثورة الاشتراكية دون إجراء حوار مع أصحابه وعوَضوا منظمة "آفاق ـ العامل التونسي" بمنظمة "العامل التونسي" وذلك خلال سنة 1974.
وأتت هذه الانقسامات نتيجة الخلافات التي ظهرت في منظمة "آفاق ـ العمل التونسي" في النصف الأول من السبعينات، حول طبيعة النظام إذ أصبحت مجموعة منها تعتبره "كمبرادوري"، تناغما مع الأطروحات الماوية و"التيارموندية"، على أن تنجز الثورة في طريقها "المهمة الوطنية" أولا ثم تمرَ إلى تحقيق "المهمة الديمقراطية". في حين تعتبر المجموعة الأخرى أن النظام التونسي نظاما عميلا بمضمون تنسجم فيه أكثر مع الأطروحات "التيارموندية"، بما في ذلك حول مهام الثورة، بحيث أعطت الأولوية للمهمة الديمقراطية على المهمة الوطنية. وزيادة على ذلك فإن المجموعة الأصلية في اليسار الجديد، أي "تجع الدراسات والعمل الاشتراكي"، كانت تعتبر أن الثورة الوطنية سمحت لنمط الإنتاج الرأسمالي بأن يصبح سائدا وأن يجعل من الثورة والثورة اشتراكية.
وانتهت الخلافات بانقسامات أحدثت انقلابا تاما في وضع اليسار جعله يدخل مرحلة الانقسامات المتتالية، التي تشبه "الانقسام الخلوي". فانشق الوطد (الوطنيون الديمقراطيون) عن منظمة الشعلة، ثم انشقت "المبادرة النقابية" المنظمة نفسها على إثر جهوم السلطة على الاتحاد العام التونسي للشغل في جانفي 1978، وأصبحت الشعلة حمراء وسوداء وانتهت إلى تأسيسي حزبين: حزب العمل الوطني الديمقراطي(في سنة 2005) وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد في 12 مارس 2011 وانقسم الوطد إلى وطد بالجامعة (وطج) ووطد، ثم الوطد ووطد، وأخيرا وطد موحد ووطج.
وانقسمت منظمة العامل التونسي إلى مجموعات متعددة: الخط السائد، وخط العوالم الثلاثة الذي يعتبر النظام وطنيا، والخط الثوري، والخط البروليتاري، وحزب الشعب الثوري. ثم غادرت مجموعة أخرى التنظيم وتبنت أطروحات الفلاسفة الجدد في نقدهم للتجربة الاشتراكية وفي مقترحاتهم حول الاشتراكية. وانتهى الأمر بأن انحلت منظمة العامل التونسي في النصف الأول من الثمانينات بخروج عناصر منها لتأسس "التجمع الاشتراكي التقدمي"، وتوجهت عناصر أخرى لتأسس "حلقة الشيوعي" النواة التي بعثت "حزب العمال الشيوعي التونسي" في 8 ديسمبر 1985 وأعلنت عن تأسيسه في 3 جانفي 1986. غير أن حزب العمال الشيوعي التونسي لم يتجاوز هنات المنظمات اليسارية في إدارة الخلافات، فاستقال أحد مؤسسيه ليكوَن، بعد عقد ونيف، الحزب الاشتراكي اليساري الذي أصبح بعد مؤتمره الثالث الحزب الاشتراكي.
الثورة الثقافة الفكرية
ومكانتها في التغييرات الإصلاحية والثورية للمجتمعات
شهدت المجتمعات الإنسانية في مسار ارتقائها الحضاري تغييرات كمية وكيفية كانت مشفوعة بتأهل المجتمع معرفيا وذهنيا وثقافيا للمرور إلى طور جديد. وإذا نظرنا في تاريخ التطورات الكبرى للبلدان المتقدمة لاحظنا أن الثورات الاجتماعية والسياسية كانت مسبوقة بثورات ثقافية فكرية جعلتها تتقبل الأفكار الجديدة ورجال السياسة الجدد وتنزع السيادة من الملوك والأمراء والحكام الفرديين والطغاة ليستردها الشعب باعتباره صاحب السيادة الشرعي.
1 ـ حركة التنوير حاضنة لحركة التحرر الوطني
أما بالنسبة لمجتمعنا فقد شهد حركات إصلاح تنويرية وثقافية وفكرية، تختلف عن الثورات الثقافية التي تنجز قطيعة مفاهيمية أصيلة فلسفية فكرية ثقافية في علاقة بما هو سائد، تأسس لرؤية جديدة للعالم وللإنسان قادرة على غربلة القائم والقديم كي تحتفظ بالنير والتقدمي منه بعد أن تعيد صياغته طبقا لروح العصر وتترك المتكلس منه. لذلك كانت ثوراتنا السياسية الاجتماعية محدودة المدى لا تحقق أهدافها إلا على مسافة زمنية طويلة نسبيا، لذلك فهي أشبه بالإصلاحات منها بالثورات. ورغم الاختلاف الحاصل بين الظاهرتين، فإنهما تأهلان المجتمع، الأولى على مراحل والثانية دفعة واحدة، للقبول بالجديد بما فيه الثورة السياسية والاجتماعية.
إن العمل الإصلاحي في تونس، في مجال الثقافة والفكر، لم يبلغ مستوى يجعله يدخل طور الثورة، رغم نشأته المبكرة في أواسط القرن التاسع عشر. لذلك فإن الثورة على الاستعمار لم يكن لها من العمق ما يسمح لها بأن تقدم على تثوير البنيان المجتمعي والسياسي والثقافي القديم من فوق ومن تحت دفعة واحدة، بل ظلت تصلحه، أحينا من الداخل وأخرى من الخارج، معتمدة على الطابع الاجتماعي والسياسي والثقافي المحدود الذي أخذته وعلى حنكة القيادة السياسية.
2 ـ تعميم التعليم والثقافة في ظل الدولة الحديثة أحدث ثورة ثقافية في المجتمع، غير أنها لم تكن ثورة ثقافية بديلة
لقد أحدث تعميم التعليم نقلة كيفية في المجتمع التونسي، ثقافيا واجتماعيا وحضاريا، باعتباره كان وسيلة ارتقاء اجتماعي واندماج وتثقيف للشعب التونسي. فتولد لديه تعطش للتعلم والعلم والمعرفة والثقافة، وأصبح المتعلم صاحب مكانة اجتماعية مرموقة بوضعه المادي الحسن، مقارنة ببقية الفئات والطبقات الشعبية، ومعرفته وثقافته المحترمة. وهكذا وجدت النخب الجديدة الطريق مفتوحة أمامها، فنشأت حركة ثقافية عامة في جميع الجهات شملت مختلف أوجه الحياة الثقافية، إنتاجا وتوزيعا ونشاطا. لقد مكَن هذا التحوَل الكيفي الثقافي والمجتمعي الجمهورية الفتية من مناخ ملائم لتنفيذ مشاريعها، لكنه لم يؤسس لأفكار جديدة تعدَ لنقلة أرقى في المجتمع، بل كان عموم المنتوج الفكري والثقافي مصاغا في إطار المشروع القائمة. وبمرور الجمهورية الناشئة إلى الدكتاتورية وظهور أزمات نظامها الاقتصادي، بدأت تتغير كافة منهاجها بما في ذلك في مجال التعليم والثقافة اللذان أصبحا خاضعان للانتقاء والتحكم والمراقبة والقمع. ومن ثم تحول قطاع التعليم إلى ميدان احتجاج ونضال ضد الدكتاتورية بينما أصبح الميدان الثقافي ميدانا للمقاومة.
غير أن الحركية الثقافية ومنتوجها لم يبلغا طور تقديم مضامين جديدة تبشر ببديل أرقى ممَا هو القائم، بما في ذلك في الأوساط اليسارية التي مازالت بدائلها هلامية كتبية ومتعالية عن الواقع الذي تعيش فيه. وبذلك يمكن القول أن الظروف المناسبة لقيام ثورة ثقافية فكرية ومعرفية تبشر بمجتمع جديد وتكون فاتحة ثورة اجتماعية وسياسية، مازالت لم تتوفر بعد.
3 ـ الثورة الثقافية المضادة هيأت لوصول الإسلاميين إلى السلطة
وبالمقابل شهدت البلاد ارتدادا اجتماعيا، كان بمثابة الثورة المضادة الثقافية الفكرية والعقدية التي تبشر بالعودة إلى "السلف الصالح" وبناء الدولة الإسلامية التي أخذت تسميات عدَة، الجمهورية الإسلامية والخلافة السادسة والخلافة، تماشيا مع النهج السياسي الذي تتبعه كل جماعة، ابتداء من حركة النهضة وصولا إلى "داعش".
لقد كانت جميعا متفقة حول المشروع المجتمعي وحول نمط الدولة، مجتمع مسلم يطبق دين الله أو مجتمع إسلامي، ودولة مدنية ذات طبيعة دينية أو دولة إسلامية تدار على أساس الشريعة. ويمكن الوصول إلى هذا المجتمع وهذه الدولة، حسب رأي دعاة الإسلام المعتدل، عن طريق إصلاحهما من الداخل والعمل على أسلمتهما من التحت ودخول مؤسساتهما وتغييرها بصورة تدريجية. أما دعاة الخروج عن المجتمع والدولة، لأنهما يمثلان الكفر، فهم يريدون تغييرهما عنوة أو "غزوهما من الخارج". ويجري هذا الخروج والغزو عن طريق العنف الوحشي واستباحة دم المثقفين النيرين والفنانين ورجال السياسة الديمقراطيين واليساريين الذين هم بمثابة رموز للشعب أو لمن يناصرونهم، لإرهاب العدو وضرب معنوياته وإسكان الرعب والخوف في قلبه، حتى يجبر الشعب على الاعتبار بالمثل والاستسلام لقدره. أما الطبقة السياسية والمجتمع المدني الديمقراطيين، فإن مقاومتهما يأخذها الانحسار والتشتت والارتباك، أمام هول الهجمة، إلى أن ينتهي الأمر باستسلامهما.
لذلك كانت مشاركة جماعة التحول التدريجي في الانتخابات التأسيسية قد سمحت لها بالتمركز في مفاصل الدولة، وغرس عيونها في جميع المواطن دون استثناء، وإطلاق أيديهم لأخذ نصيبهم من الغنيمة. كما سمحت للجماعات الأخرى بالنشاط وتسترت عليهم لتنفيذ أعمالهم الإرهابية واغتيالاتهم السياسية وحمت قادتهم من الإيقاف، ولم تتردد من تمكين بعض المتشيعين لهم من مواقع هامة في وزارة الداخلية، وصفَت العناصر التي يمكن أن تمثل خطرا عليها. ولم تتباين مع الإرهاب وتصنف السلفية الجهادية الإرهابية التكفيرية إلا تفاعلا مع الموقف الأمريكي والأوروبي، دون أن تقطع معها صلة الرحم، إذ هي على علاقة ممتازة بـ"فجر ليبيا" الذي يعتبر الأخ التوأم لـ"داعش" و"عقبة ابن نافع" و"القاعدة"، زيادة على أنه حامي لأبي عياض.
لقد مكَنت "الثورة التونسية" حركة النهضة من الوصول إلى السلطة ومكَنت الحركة الإسلامية ومن التغلغل في المجتمع حتى أن مجمل الخطاب الرسمي وقع تحت تأثير المنهج الإسلامي. وهو وضع يؤهل المجتمع للمرور إلى طور جديد يأخذ هوية الايديولوجيا المهيمنة. ويمثل هذا الانتقال ارتدادا اجتماعيا للوضع العام في البلاد. ولعبت الدعاية التي قامت بها قناة الجزيرة، بصورة خاصة، لصالح حركة النهضة الدور الحاسم في سعيها لإعادة صياغة وجدان الشعب التونسي كي يتوافق مع إيديولوجيتها ورؤيتها للحياة وللعالم ولتتقدم له باعتبارها صاحبة مشروع مجتمعي ونمط حكم بديل، ممَا أهلها، إلى جانب عوامل أخرى، للوصول إلى السلطة. وقد مثل المخزون الثقافي للنقلة الكيفية، التي حققها المجتمع التونسي في العهد البورقيبي، حزام الأمان الذي حماه من الصدمات والهزات رغم الإهتراء الذي أصابه في "العهد الجديد". بينما لم يتمكن اليسار والقوى الديمقراطية من استغلال هذا المخزون كي يتشكل في إطار بديل جمهوري ديمقراطي شعبي، لذلك لم يحصل إلا على نصف حلَ عنوانه "نداء تونس"، لأنه عجز على أن يتقدم في الانتخابات التأسيسية موحدا فمكَن حركة النهضة من الفوز بالأغلبية النسبية في المجلس وحققت الأغلبية المطلقة بالتحالف مع حزبي "التكتل" و"المؤتمر". بينما لم يتمكن اليسار والحركة الديمقراطية من فرض دستور ديمقراطي للجمهورية الثانية، عوضا عن الدستور الإسلامي وعن دستور 1 جوان، إلا بالضغط الشعبي والظروف الدولية والإقليمية الملائمة.
وفي الانتخابات التشريعية والرئاسية فاز "النداء" بالأغلبية النسبية وشكل بمعية حركة النهضة وحزبي "آفاق تونس" و"الاتحاد الوطني الحرَ" أول حكومة للجمهورية الثانية، وإذا بـ"النداء" أعاد لنا "النهضة" من الباب الذي خرجت منه.
وبذلك أصبح من العسير على أي حكومة ديمقراطية التخلص من هذا الوزر بسهولة، إلا بعد ردح من الزمن يطول أو يقصر حسب وضوح الرؤية لديها ومدى النجاعة التي تدير بها شؤون الدولة. إن وضع الجمهورية أضحى أشد خطورة ممَا كنا نتوقع. لأن القائمين على الحكم، الذين حملوا في حركتهم آمال النيرين في تونس والطبقة الوسطى وإلى حدَ كبير شرائح واسعة من الشعب التي أربكتها حركة النهضة بأسلوب حكمها التسلطي أصبحت تبحث عن حزب كبير تحتمي به، وجدته في "نداء تونس"، ارتأوا أن تكون الحكومة مزيجا بين حركة النهضة و"النداء" وحليفيهما، اللذين يمكن القول عنهما بأنهما حليفان للأولى أكثر منهما للثاني.
ومحصلة القول إن الثورة الثقافية الفكرية التي تحدث في المجتمعات والتي تسبق الثورة الاجتماعية والسياسية والتي تطبع الثورة بطابعها وتجعل من الطبقة أو الطبقات الاجتماعية الثائرة مهيمنة، فترتقي إلى السلطة وتعيد بناء المجتمع على صورتها. وتظل ترافق هذه النقلة النوعية في المجتمع ثورة دائمة في العقليات وفي الكيفية التي يتلقى بها أبناء الجمهورية العلوم ويتفاعل معها النخب في تثوير رؤيتهم ورؤية المجتمع للعالم. ويكون هذا التأثير بارزا في العلوم الإنسانية والفلسفة، فيحرر العقل في تناوله للعلوم التجريبية والعلوم الصحيحة، ويعيد صياغة المناهج وأساليب التعامل مع نتائجها.
إن حدوث مثل هذه الثورة لا يعني حصول تحرر فكري شامل في المجتمع، بل يمس في البدإ شرائح من النخب، التي تأخذ نصيبها منه وتجهد النفس لإشاعته. وكلما تمَ حلَ قيد أصبح الفكر النقدي أكثر عنفوانا وقدرة على اختراق الحصون القديمة، بما فيها المخزون الثقافي الذي يقف سدا أمام الحرية. أما في المجتمعات التي لم تنجز ثورتها الثقافية والاجتماعية والسياسية فإن القديم عامة ما يستقبل الجديد ويعيد صياغته على صورته، ومن ثم تصبح له صورة جديد منقحة للصورة القديمة، فيظهر، حسب الظروف التي يمر بها الصراع الطبقي، ليأخذ أشكالا وجواهر جديدة رامية جذورها في القدم، تماما مثل الحركات الإسلامية التي نشأت في بلادنا والتي تهدف إلى إقامة دولة الخلافة.
ممَا يؤكد أن الثورة الثقافية الفكرية فاتحة عهد للثورة السياسية والاجتماعية، كما أن الثورة الثقافية الفكرية المضادة والارتداد الاجتماعي يمثلان مدخلا للثورة المضادة السياسية والاجتماعية.
حول وحدة القيادة السياسية للثورة في تجربتي
الجمهورية الأولى والجمهورية الثانية
1 ـ أخذت حركة التحرر الوطني بعدا ثقافيا واجتماعيا
لقد حققت الثورة ضد الاستعمار ما كانت حققته، في ظل الرقابة التي كان يفرضها عليها حراس الحصون القديمة، سواء بصورة صريحة أو متسترة، لأنها ارتكزت على مدخل ليس بالهين أنجزه رواد الإصلاح وعلى النضال النقابي والاجتماعي والتنويري الذي قام به رواد الحركة الوطنية (حركة الشباب التونسي وفرع الحزب الاشتراكي وفرع الأممية الشيوعية بتونس والحزب الإصلاحي والحزب الحر الدستوري) ورواد الحركة النقابية التي انطلقت منذ أواخر القرن التاسع عشر بقيادة إيطاليين ومالطيين وفرنسيين ثم أخذت هويتها الوطنية الصميمة مع محمد علي، منذ مطلع عشرينات القرن الماضي، ورواد حركة التنوير الذين حاولوا التعامل مع الدين بروح جديدة سعت إلى قراءة تحديثية تقبل خاصة بالتسامح العقدي وبالبعد الاجتماعي في التعامل مع المرأة من زاوية مساواتها مع الرجل وفي النظرة للحياة بصورة عامة وللعدل الاجتماعي. لم يكن هؤلاء الرواد ليختلفوا حول أهمية التعليم بالنسبة للتونسيين، بما فيه تعليم المرأة، وحول الصحة للجميع، زيادة على تشاركهم في العمل على جميع الواجهات، باستثناء بعض اللحظات التي افترقوا فيها. ممَا سهل على أغلبهم التوحد في حركة جامعة مناضلة ضد المستعمر، حتى أن الطاهر الحداد، المصلح الاجتماعي المنادي بحرية المرأة، كان من قادة الحركة النقابية الفتية ومؤرخها، وكان فرحات حشاد قائد الحركة الوطنية لمَا زجَ النظام الاستعماري بقادة الحركة الوطنية في المحتشدات والمنافي والسجون، كما كان جلَ الأحزاب الوطنية داعما للحركة النقابية وجلَ مناضليها منخرط في نقابة عموم العملة التونسيين وفي الاتحاد العام التونسي للشغل وفي المنظمات الخاصة بالفلاحين والصناعيين والتجار والمرأة.
2 ـ وحدة القيادة السياسية مكنتها من القيام بإصلاحات قامت مقام الثورة الاجتماعية
ضمَت القيادة السياسية إليها بعد نجاح الثورة ضد المستعمر واعتلائها سدة الحكم ممثلين عن الحركة النقابية وقبلت بمخطط التنمية الذي اقترحه الإتحاد العام التونسي للشغل وأقدمت على العديد من الإصلاحات الثورية في مستوى البناء الفوقي للمجتمع لمَا أصدرت مجلة الأحوال الشخصية وأعلنت عن الجمهورية وأعدت دستورا لها وأخرجت المؤسسة الدينية من مجال العناية بالشأن العام. وألغت المحاكم الشرعية وأنشأت منظومة قضائية مدنية. وأصلحت منظومة التربية والتعليم فألغت التعليم الزيتوني وأقرت منظومة للتربية والتعليم عمومين، وجعلت التعليم إجباريا. وأقرت منظومة صحية جعلت الصحة للجميع، فقاومت الأوبئة وعممت تلقيح الأطفال حفاظا على صحتهم وأطلقت برنامج تحديد النسل، حماية لصحة المرأة والطفل وصيانة الأسرة والمجتمع وتوفير الإمكانية للدولة كي تخطط للمستقبل بوثوق. وفي السياق نفسه "تونست" الإدارة والأمن وبعثت النواة الأولى للجيش الوطني. كما هزَت البناء التحتي للمجتمع من خلال التسريع بتعميم نمط الإنتاج الرأسمالي عن طريق العديد من الإجراءات المالية والاقتصادية، وبعثت عملة تونسية خاصة، الدينار، وأنشأت بنوكا تونسية، وألغت "الحبس" التي عادت إلى الدولة، وأممت ممتلكات العائلة المالكة والمناجم وشركات النقل وأراضي المعمرين، ممَا سمح لها بتعبئة الموارد والإمكانيات اللازمة للقيام بحملة تشغيل واسعة النطاق عن طريق الحظائر الوطنية والجهوية. وأصلحت السباخ والأراضي المهملة وحمت الأراضي الفلاحية من الانجراف. وقاومت الفقر واعتنت بالطفولة المشردة، فأنشأت قرى "لأطفال بورقيبة". إن هذه الإصلاحات وغيرها هي التي سرَعت في مرور المجتمع التونسي إلى طور ثقافي وسياسي واقتصادي واجتماعي أرقى حضاريا.
3 ـ تعدد مراكز القيادة في "الثورة الثانية" وعدم فرز المشاريع أضعف الدور الإصلاحي للقوى الجمهورية الديمقراطية واليسارية ومنح القوة والعنفوان للحركة الإسلامية وفتح الطريق أمام الإرهاب
شهدت "الثورة التونسية الثانية" مسارا مشابها للأولى في كون العوامل الخارجية كان لها دور أساسي في تحققهما، مع اختلاف جوهري في العوامل الذاتية وفي ما أنجزته على الميدان. ويظهر هذا الفارق بصورة خاصة في مستوى القيادة التي كانت في مرحلة التحرر الوطني صافية الانتماء موحدة عموما حول زعيم كارزماتي ممَا ساعدها أن تمضي في تطبيق خياراتها وهي متماسكة عموما، وذلك رغم الضغط الاستعماري الإقطاعي، العالمي والإقليمي المسلط عليها، وضغط الخلافات الداخلية للحركة الوطنية وللحزب الحر الدستوري التونسي، في حين افتقدت "الثورة الثانية" للقيادة السياسية، إذ رافقت الأحزاب السياسية اليسارية والديمقراطية حركة الاحتجاج الشعبية العفوية دون أن تكون في قيادتها، في حين غابت الحركة الإسلامية عن الميدان، باستثناء عناصر مشتتة من شبابها، وقررت قيادة حركة النهضة في الداخل وفي الخارج، عدم التورط في هذا الحراك، واكتفت بمراقبة ما يحدث وعبَرت عن استعدادها للعمل من أجل تهدئة الأوضاع. ولمَا رحل بن علي عن السلطة ومن البلاد واستقرت الأوضاع لصالح تغييرات في نظام الحكم، لم يتجلى اتجاه واضح للتطورات التي قد تأخذها الأحداث، لأن التطور العفوي للأحداث ودرجة استعداد الأحزاب في الميدان، بإمكانهما أن يدفعا في اتجاه ثوري أو في اتجاه إصلاحي أو في اتجاه مسار رجعي ظلامي. وبما أن الأحزاب لم تكن مستعدة حينها لأخذ السلطة فقد توزعت إلى ثلاثة مراكز، واحدة ممثلة في حكومتي الغنوشي والسبسي، والثانية في "الهيئة العليا للانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي"، التي كانت بمثابة "قيادة وحدة وطنية"، والثالثة كانت في اعتصام القصبة. ثم أتت الانتخابات التأسيسية لتقوم بعملية حسم أولية لهذه الازدواجية في القيادة (أي السلطة) فكانت لصالح حركة النهضة، التي اختارت حزبين حليفين لها، "المؤتمر" و"التكتل"، اللذين شكلت بهما حكومتا "الترويكا"، ممَا جعل الأوضاع وكأنها تتجه نحو مسار رجعي ظلامي. لكن الحراك الشعبي تواصل عفويا مصحوبا بتدخل صريح وصائب لعدد من الأحزاب إلى أن نشأ نوع من توازن القوى في الساحة السياسية. فكانت القوى المتقابلة كالآتي: القوى الجمهورية، الديمقراطية والليبرالية الاجتماعية واليسارية في كفة، والترويكا والحركة الإسلامية في الكفة الأخرى. وقد حصل توازن بين القوى لمَا أصبحت النخب في خشية على مكاسب المجتمع التونسي وعلى الحرية والديمقراطية وعلى إمكانية عدم تحقق "شعارات الثورة" وكانت الطبقة الوسطى أكثر هلعا أمام مسعى الحركة الإسلامية على فرض رؤيتها للمجتمع ولنمط الحكم الذي تسعى بواسطته أن تبسط هيمنتها على المجتمع. مع العلم أن أحزابا أربعة كانت شكلت مع "نداء تونس""الإتحاد من أجل تونس"، وهي الحزب الجمهوري وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي والحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني الديمقراطي، كانت قد أسهمت بقسط كبير في هذا التعديل. وبالرغم من ذلك لم تتخلص الساحة السياسية من ازدواجية القيادة إلا مع الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة، بحيث مسك "النداء" وحركة النهضة بالسلطة فكانت الأغلبية في مجلس نواب الشعب لصلحهما وشكلا الحكومة مع حزب "الوطني الحر" وحزب "آفاق تونس"، بينما تمسكت الجبهة الشعبية، التي حصلت على 15 مقعدا في مجلس الشعب، بعدم المشاركة في الحكومة والبقاء في المعارضة، في حين أزيحت بقية الأحزاب، التي كان لها موقعها في الحياة السياسية، في السباق الانتخابي.
وبذلك نشأت "قيادة موحدة"، تجمع أحزب البورجوازية من الليبرالي الاجتماعي والليبرالي الديمقراطي النيوليبرالي والرجعي والظلامي المتستر بالدين وبالمدنية، بحيث لا يجمع بينها مشروع مجتمعي أو نمط تنمية أو أسلوب حكم، بل كانت الحاجة النفعية لتكوين حكومة بالشراكة بين الحزبين الكبيرين اللذين اتفقا في شأنها وفي شأن الأحزاب التي سيضمانها للتحالف. ممَا جعل هذه القيادة عاجزة على أن تلف الجماهير حولها سواء للدفاع عن مدنية الدولة أمام الخارجين عنها أو حول منوال التنمية ومواجهة الأزمة الاقتصادية ومقاومة الفقر والبطالة وإصلاح التربية والتعليم وإصلاح المنظومة الصحية من أجل تحقيق الصحة للجميع أو في موجهة الإرهاب.
4 ـ التمشي الإصلاحي لقيادة الثورة الأولى ولقيادات "الثورة الثانية"
وبما أن قيادة الثورة الوطنية كانت موحدة، رغم الانقسام الذي حصل بين البورقيبيين واليوسفيين، فقد تمكنت من انجاز الإصلاحات الضرورية لتحسين أحوال الشعب ماديا ومعنويا وصحيا وثقافيا وللتقدم بالمجتمع والارتقاء به حضاريا. غير أن "الثورة الديمقراطية" أو "الثورة الثانية" لم يكن لها قيادة موحدة، سواء قبل 14 جانفي أو بعده، ولم يكن لها مشروعا موحدا بديلا، بل كانت ذات مراكز متعددة ومشاريع متنافرة. لذلك سارت "الثورة الثانية" على غير هدى، بحيث ظلت تقطع الخطى بتعثَر كبير و بذل جهد نادر استنزف طاقتها وأهدر الفرص التي كانت متاحة للبلاد لو تمكنت من تجاوز المرحلة الانتقالية بالسرعة اللازمة.
وبعد الانتخابات التشريعية والرئاسية أصبحت القيادة مخترقة، بحيث اختلط فيها الديمقراطي بغير الديمقراطي، والجمهوري بغير الجمهوري، والدولة المدنية (بمعني الحداثة) بالدولة الاستبدادية باسم الدين، سواء أطلق عليها اسم دولة الخلافة أو الخلافة السادسة أو "الجمهورية الإسلامية". وقد حدث هذا الخلط في تجربة "18 أكتوبر" باسم "توحيد كل المتضررين من الدكتاتورية لهزم الدكتاتورية"، بما في ذلك الجمع بين الجمهوريين وبين أصحاب المشاريع التيوقراطية، بين الديمقراطيين وبين أصحاب المشاريع الاستبدادية. ويحدث هذا الاختراق اليوم باسم "الوضع الاستثنائي الذي تمر به البلاد الذي يفرض توحيد كل القوى "القابلة" بمدنية الدولة، وباسم "التعامل مع حقيقة صندوق الاقتراع". وبقطع النظر عن المسميات التي تكرس هذا الاختراق فإن نتيجته تظل واحدة وهي أن القيادة الوطنية للانتقال الديمقراطي أو "للثورة الثانية" أو "للثورة الديمقراطية" غير موحدة، لأن المكونات التي أفرزها صندوق الاقتراع لا تحمل نفس المشروع للانتقال الديمقراطي، باعتبارها تعمل في سياق الخيارات التي تؤمن بها. ممَا يعني أنه لم تنشأ قيادة موحدة للانتقال الديمقراطي حول المشروع نفسه. ويعود السبب في ذلك إلى أن الانتقال الديمقراطي وقع دون فرز بين المشاريع المجتمعية وبين أنمط الحكم التي تتوافق وعملية انتقال ديمقراطية حقيقية. وبطبيعة الحال أن تجري عملية الفرز هذه عن طريق ثورة ثقافية فكرية بين النخب وتمتد إلى المجتمع، وهي العملية التي لم تتحقق في بلادنا، رغم الخطوات العملاقة التي قطعناها في هذا الصدد، ومع ذلك فإننا لم ندرك النقلة الكيفية المرجوة. لذلك حدثت عملية الانتقال دون أن يكون المجتمع مهيئا لاستقبالها فتعامل معها بإدراكه العفوي، في حين تعاملت معها النخب بمشاريعها المختلفة المتناقضة، فكانت السيادة لمن حصلت الثورة الثقافية أو الثورة المضادة ( بمعنى الارتداد الاجتماعي) لصالحه، ولمن كان صاحب العتاد والعدة الأقوى.
وفي هذا الصدد يجمع أغلب الملاحظين والسياسيين الذين تابعوا عن كثب جميع أطوار التغييرات التي شهدتها البلاد وبصورة خاصة منذ 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، على أن مسالك التهريب غصَت بالحقائب المحملة بالعملة الصعبة، الآتية من الخليج والسعودية ومن أوروبا وأمريكا لتموَل الأحزاب والجمعيات العاملة في ركابها. وبذلك تحوَلت بعض الأحزاب في وقت قياسي إلى أحزاب جماهيرية تهيمن على الحياة السياسية قادرة على تحديد مآل الانتقال الديمقراطي. وزيادة على ذلك فقد اشتد الزحام من قبل عدد من رجال الأعمال المورطين في الفساد على بعض الأحزاب نفسها آملين في الحصول على حماية مقابل ما يقدمون لها من دعم مالي. وليس هذا فقط بل تكفلت جمعيات لا تحصى بدور التغطية على الأموال التي تضخ من قبل دوائر عديدة لفائدة بعض الأحزاب. وقد أغرق هذا المال السياسي الفاسد الحياة السياسية والانتقال الديمقراطي في وحله ولم يعد من الممكن أن نتقدم خطوة إلا بعد صراع مرير، مع بقائها محفوفة بالمخاطر من قبل المدافعين عن المشروع الارتدادي المكشوفين والمقنعين، وهكذا دواليك. ممَا يعني أن خطي الانتقال الديمقراطي تحمل في طياتها كثيرا من الماضي والحاضر المخترق، لذلك يفرض علينا ميزان القوى أن نعمل باستمرار على توفير الظروف الملائمة لتحقيق نقلات كمية قد تكمَل الانتقال الديمقراطي أو قد تثمر نقلة كيفية في إطار التحولات المستقبلية للمجتمع التونسي.
توحيد اليسار الاشتراكي ضرورة لوحدة طبقة العمال بالفكر والساعد
ولتجاوز العوائق التي وقفت أمام العمل الإصلاحي الذي نحن بصدد تناوله، ينبغي ضبط المشروع المجتمعي البديل ومنوال التنمية البديل والشكل الجمهوري الديمقراطي التشاركي للدولة، باعتباره برنامج أدنى تتوحَد حوله القوى الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية، يكون من ضمنها اليسار متشكلا في صيغة من الصيغ التي تقبل بها مختلف مكوناته ويكون صاحب المشروع الديمقراطي الشعبي.
لقد أضاع اليسار وقتا نفيسا وأهدر جهدا كان بإمكانه أن يكون بناء. لذلك هو اليوم مطالب بأن يتحمل مسؤولياته وأن يعمل بجدَ من أجل الوحدة ثمَ الوحدة وأخيرا الوحدة.
لماذا؟
1 ـ التغييرات التي شهدتها طبقة العمال والشغالين
من المتعارف عليه، أن المجتمع البشري منقسم إلى طبقات مستغلة ومستغلة، ومضطهدة ومضطهدة، منذ فجر الإنسانية. وأن تاريخه "إلى يومنا هذا لم يكن سوى تاريخ الصراع بين الطبقات".
ولم تفعل العولمة النيولبرالية شيئا غير المضي بالتضاد الطبقي إلى أقصاه، فحولته إلى تضاد عالمي، البورجوازية العالمية من ناحية والطبقة العاملة العالمية والشعوب الكادحة من ناحية أخرى.
ومن البديهي أنه طالما توجد مصالح متناقضة في المجتمع بين مالكين وغير مالكين لوسائل الإنتاج الأساسية، بين من يحتكرون المنتوج الاجتماعي ومن لا يلحقهم سوى الكفاف لإعادة إنتاج طبقتهم، سيتواصل الصراع بين الطبقات حتى ساعة القضاء على أسبابه وتحقيق الاشتراكية.
ومن الطبيعي أن تكون الطبقة العاملة أكثر الطبقات والفئات الاجتماعية، تأهلا للقيام بتغييرات جوهرية في الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باعتبارها الطبقة التي لا تملك شيئا والتي تكمن مصلحتها في مصلحة المجتمع ككل، وبما أنها المنتج الرئيسي للثروة وتحتل مكانة حاسمة في الإنتاج المادي للمجتمع فإنها من أكثر الطبقات التي لها مصلحة في إعادة النظر في المشروع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وفي نمط الدولة وشكلها، بما يسمح بتحقيق إنسانية الإنسان.
وبذلك ترتقي إلى مستوى الشريك الرئيسي في المجتمع، وهو وضع يفرض عليها دخول المسرح السياسي، ومن المنطقي ألا يتحقق لها هذا التغيير في الموقع دون تشكل قوة سياسية تتبنى مصالحها وتتولى الدفاع عنها، ضمن مشروع مجتمعي ومنوال تنمية ونمط دولة وشكل لها أرقي من الأشكال الحالية، قوة سياسية، في شكل حزب أو ائتلاف حزي واجتماعي مدني، تنظم صفوفها وتجمع طاقاتها وتتحمل مسؤولية تمثيلها السياسي. إذ من الطبيعي أن ينقسم المجتمع إلى طبقات وفئات اجتماعية وأن يمثل هذه الطبقات والفئات أحزاب أو ائتلافات سياسية. مما يعني في التحليل النهائي أنها تتزعم هذه الطبقات والفئات في مشروعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحضاري وفي نضالها الفكري والنظري والسياسي والعملي من أجل وضعه حيز التنفيذ، وهي بالتالي تتولى مهمة الرفع من مستوى الوعي السياسي العام إلى مستوى الوعي أرقى.
وجدير بالملاحظة أن صيرورة تشكل الطبقات تختلف من بلد إلى آخر ومن أمة إلى أخرى، باعتبارها تحمل معها الخصائص الاجتماعية والثقافية والحضارية والقومية لكل شعب من الشعوب، زيادة على كونها تتألف من شرائح متعددة، يجمع بين كل عدد منها مصالح جوهرية واحدة، تدل على انتمائها لطبقة معينة. والشأن نفسه بالنسبة الطبقة العاملة فهي تتألف من أقسام عدة، منها عمال المدن وأخرى منحدرة من الحرفيين وثالثة من الفلاحين ورابعة من المثقفين والتقنيين والمهندين وأقسام أخرى من صفوف البورجوازية والبورجوازية الصغيرة المفقرة. وتعمل أقسام أخرى في المؤسسات الكبرى، في حين يشتغل القسم الأكبر في المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتعمل أجزاء أخرى في مجال الخدمات حيث تفرض العلاقات الاقتصادية والاجتماعية منطقها على الوعي الخاص بهذه الشريحة حيث يتطور بصورة أبطأ من العاملين في المؤسسات الكبرى. وليس هذا فقط بل إن التشغيل الهش أصبح يجند ما يناهز عن المليون شغال.
إن العنصر الهام في الوضع الراهن الذي عليه طبقة العمال بالساعد والفكر يتمثل في أن جزء هاما منها أصبح مثقفا وصاحب خبرة في العمل النقابي والسياسي والتنظيمي. ولازالت أجزاء أخرى لا تحسن القراءة والكتابة تعيش في مدن صغرى ولا تعرف حياة اجتماعية جماعية وليس لها أي تكوين نقابي وسياسي وثقافي. ويتناسب هذا التشكل المتعدد في صفوف الطبقة العاملة مع وجود مستويات وعي مختلفة. ويمثل الوعي الطليعي وعيا أقليا، بمعنى تدركه الأقلية الطليعية. لذلك فهو في حاجة إلى أن يتفاعل مع بقية مكونات الوعي ومستوياته، وهي في حاجة إلى أن تتفاعل مختلف مكونات الطبقة العاملة، كي تتمكن من تحويلها من طبقة واعية بذاتها إلى طبقة لذاتها.
2 ـ التنظيم السياسي لطبقة العمال والشغالين
وعلى هذا الأساس فإن مسألة التنظيم السياسي للطبقة العاملة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع الموحد والمتعدد في نفس الوقت، واقع الطبقة ككل وقسمها الأكبر، أي القسم الحامل للوعي الطبقي الأولي، أي المستعد للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة المباشرة، وهو القابل للتنظيم في مستواه الأولي أي التنظيم النقابي. وأخيرا القسم الأكثر تقدما والحامل للوعي الاشتراكي العلمي، وهو مؤلف من العمال الطليعيين والمثقفين الماركسيين.
وكثيرا ما تظهر في القسم الطليعي( صاحب الوعي السياسي الطبقي) تعبيرات سياسية متعددة تتبنى جميعها قضية الطبقة العاملة وتتبنى أيضا الفكر الاشتراكي العلمي، ولها نظريتها الخاصة بشأن قضايا الثورة والاشتراكية والقضايا الوطنية والأممية.
لذلك فإن توحيد الطليعة بمعناها الواسع تعني توحيد مختلف هذه الفصائل مع الفصيل الحاصل على "الوعي الأولي". وإن عملية التوحيد هذه صيرورة كاملة وليست مسألة تحصل دفعة واحدة، بل هي مشروطة بتوفير ظروف الانتقال من النضال العفوي إلى النضال السياسي.
إنه غنيَ عن البيان أن توحيد فصائل الاشتراكية تمثل في الحقيقة عملية تأسيس لتنظيم سياسي للطبقة العاملة. وتعني هذه العملية بلورة الوعي الطبقي الطليعي. ويمثل الفكر الاشتراكي العلمي محمل هذا الوعي.
وبما أن الاشتراكية علم فمن المنطقي أن لا يجري تملكها في كليتها بصورة جماعية أو بصورة عفوية، بل عن طريق المجهود الدراسي الفردي أساسا. وبهذا الشكل يمكن أن يصبح الفكر الاشتراكي العلمي أداة تحليل فعالة للواقع وتعميم للخبرات وتوضيح للاستراتيجيات. وهكذا أصبح ممكنا للعناصر الطليعية من العمال الأكثر خبرة ونضالية والمثقفين العضويين أن يكوَنوا مباشرة وبصورة مستقلة إطارا موحدا للوعي الطليعي دون أن ينفصلوا عن الجزء المنظم من طبقة الشغيلة الحامل للوعي الأولي.
3 ـ التنظيم السياسي لطبقة العمال والشغالين، وحدة حركتين: الحركة الاشتراكية وحركة العمال والشغالين
إن تأليف حزب أو ائتلاف سياسي للطبقة العاملة يمثل في مدلوله الجوهري الالتقاء الحاصل بين الحركة العمالية واليسار الاشتراكي حول المشروع المجتمعي ومنوال التنمية ونمط الدولة وشكلها. إذ أنه منذ لحظة الالتقاء تكف الطبقة العاملة عن النضال في سبيل أهدافها المباشرة لتضع أهدافها ومصالحها العامة كمهمة مركزية في نضالها الاقتصادي والاجتماعي، ولتدخل المسرح السياسي.
لقد أثبتت تجارب النجاح والفشل أن المكانة المركزية للطبقة العاملة في التحولات المجتمعية لا شك فيها، باعتبارها تحافظ على التوازن الاجتماعي والسياسي وتحمي الجمهورية والحرية والمواطنة والمساواة وتؤسس لمنوال تنمية متضامن وعادل، ويفر القاعدة المادية لصيانة المجتمع الجديد من المخاطر المحدقة به. وكانت قد شهدت أغلب بلدان العالم مثل هذا الذي لعبته طبقة العمال رغم تراجع دورها بعد أن انفصلت حركتها عن الحركة الاشتراكية وأصبح لكل واحدة ديناميكها الخاص. وقد نتج عن هذا الانفصال تراجع وعي الطبقة العاملة إلى أدناه وعودتها إلى الطور العفوي، وتشرذم الحركة الاشتراكية من جديد وعودتها إلى الطور الحلقي في أغلب الأحوال.
ولهذا الشأن بالذات فإن عودة الطبقة العاملة للظهور من جديد على المسرح السياسي يتطلب إعادة الربط من جديد بين الحركتين على أساس الوعي الاشتراكي المطور والمثرى بالتجربة، السلبي فيها والإيجابي.
إن الحزب أو الائتلاف السياسي الجديد للطبقة العاملة القائم على أساس الالتقاء التاريخي بين الحركتين، لا يمكن له أن يحدث نقلة نوعية في الوضع السياسي إلا إذا كسبت الحركة الاشتراكية ثقة قادة جماهير العمال وسائر الكادحين، وإلا إذا تزعم هذا الالتقاء بين الحركتين المثقفين العضويين وقادة الحركة الاجتماعية للعمال وسائر الكادحين. إن وجود مثل هذا الحزب أو هذا الائتلاف الخاص باليسار الاشتراكي يؤهل الشعب للقيام بثورته دون أن يعوضه في ذلك.
إن الحزب أو الإئتلاف السياسي للطبقة العاملة في حاجة لجماهير العمال وسائر الكادحين لحسم الصراع السياسي وتحقيق النصر الانتخابي وإنجاز المهام العامة لطبقة العمال والتقدم بالمجتمع خطوة جديدة على طريق تحرره النهائي. ومن أجل ذلك يتلخص عمل الطليعة الاشتراكية والعمالية في نسج روابط متينة بالجماهير كي تتمكن من نمو حركتها ووعيها بذاتها ورصد تطور ميزاجها واستعدادها للقيام بأعمال محددة وبعمل تاريخي مستقل، إذا ما أصبحت طبقة لذاتها.
إن حسن الإصغاء للجماهير والتشاور معها حول الموقف والعمل الواجب القيام به في كل مناسبة أو حدث أو قضية من قضايا النضال، ليست مسألة شكلية، بل مسألة مبدئية تمليها شروط قيادة الطليعة لنضال الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. وإن هذه الطبقة، كما سبق وإن أكدنا، لن تدخل المسرح السياسي إلا إذا توحدت، لأنه ليس لها من وسيلة لحسم الصراع السياسي والاجتماعي والانتخابي غير وحدتها وليس لها بالتالي غير قواها وقدراتها التنظيمية. ولن تتحقق هذه الوحدة إلا إذا تجمَعت مختلف مكوَنات الوعي الطبقي والوطني بمستوياته الإستراتيجية والتكتيكية وتضامنت مع الطليعة العمالية. وبإمكان هذه الوحدة التأليفية أن تشق طريقها عبر توحيد مختلف مكونات اليسار الاشتراكي وقادة الحركة العمالية في حزب أو ائتلاف سياسي موحد.
4 ـ الوحدة تواكب في تطورها وضع الشغالين واليسار الاشتراكي
يعلم جل المتتبعين للحياة السياسية أن الوضع الخاص الذي عليه اليسار الاشتراكي في تونس على غاية من التعقيد بكيفية يتطلب معالجة متميزة. إذ أن خلافات عديدة لم تجد طريقها للحل، ولَدت انقسامات تعادلها تعدادا أو تفوقها، منها ما كان أساسيا ومنها ما كان ثانويا. غير أن هذا التعدد لا يمكن النظر إليه وكأنه علامة صحيَة، سواء تعلق الأمر بالتقابل بين"الطريق الثورية" و"الطريق الإصلاحية" أو بالأطروحات المختلفة في الطريقين. بل هي، في الحقيقة والواقع، حالة تشرذم باطلة تعكس واقع وعي الطبقة العاملة المتدني وواقع الشعب الكادح السيئ، على جميع الأصعدة.
ومن أجل معالجة هذا الوضع بالذات فإن الطبقة العاملة في حاجة إلى وحدتها، التي تعبر عنها وحدة مختلف الجماعات اليسارية بأطروحاتها وأفكارها باعتبارها تمثل مصالح مختلف شرائح طبقة العامل والشعب الكادح. وبهذا فإن وحدة اليسار الاشتراكي تمثل وحدة الطبقة العاملة التي بموجب وحدتها تدخل المسرح السياسي، لأن اليسار أصبح بمشروعه الخاص المعبر الواقعي عن المصالح الجوهرية للطبقة العاملة والشعب الكادح والوطن.
إن الطريقة والشكل اللذان نجسد بهما وحدة اليسار الاشتراكي تتمثلان في إتباع نهج الحوار فيما بين مختلف مكوناته بحثا عن القواسم المشتركة التي تبني على أساسها الوحدة التنظيمية انطلاقا من تنسيق المواقف والأعمال وصولا إلى الائتلاف بين المجموعات والأحزاب وغير المنتظمين فالوحدة الحزبية. وما القبول بالقواسم المشتركة سوى الضامن للعمل المشترك الذي بدوره يؤسس لظهور قوَة طبقة العمال والشغالين التي لم تعبَر عن نفسها إلا نادرا في حركة مطلبية أو احتجاجية قادها النقابيون. ممَا يعني أن وحدتها لم تتجاوز مستوى الوحدة القائمة على الوعي النقابي. في حين أن وحدة اليسار، مهما كان المستوى الذي تنطلق على أساسه، فهي وحدة سياسية وبالتالي طبقية، بمعنى أن وحدة اليسار أصبحت تعبَر عن وعي الطبقة العاملة بمصالحها ومصالح الشعب الكادح والوطن. ومن ثمَ أصبحت صاحبة مشروع مجتمعي ونمط حكم ومنوال تنمية تعارض به أحزاب البورجوازية وتنافسها على الحكم. إذ أنه من الطبيعي أن تعبئ وحدة اليسار قوى جديدة للطبقة العاملة والشعب الكادح لتدفعها شيئا فشيئا للمشاركة في الحركة. وتلعب المنظمات الجماهيرية للعمال والكادحين دورا هاما في هذه التعبئة لذلك يكون بإمكانها الانخراط في مشروع الوحدة اليسارية. وبطبيعة الحال أن يتطور وعيها وتكسب الثقة في ذاتها وفي مشروعها ومعها يتطور وعي اليسار بأهمية وحدته إلى مستوى أرقي.
وهكذا يبرز الاستعداد لدى الطبقة العاملة للقيام بعمل تاريخي مستقل فيتطور وعيها بذاتها وبكونها أصبحت صاحبة مشروع مختلف عن المشاريع البورجوازية وأصبح لها من القوة ما يسمح لها بأن تكون الضامن في الدفاع عن مصالحها وعن مصالح الشعب والوطن. وبطبيعة الحال أن يرافق هذا التطور لدى طبقة العمال والشغالين وعي مميز لدى اليسار يجعله يستقل بسياسته عن الأحزاب البورجوازية وعن مشاريعها، ليدافع عن الاستحقاق التاريخي لمشروعه.
إن بناء وحدة الطبقة العاملة والشغيلة السياسية يعني توحيد اليسار الاشتراكي، أي الأحزاب التي تضع في برنامجها الاشتراكية باعتبارها مرجعيتها ومشروعها البديل وغير المنتظمين الذين مازالوا على قناعة بالمشروع الاشتراكي.
أما توحيد الشغيلة والشعب الكادح حول طبقة العمال فإنه يفترض توحيد القوى الاشتراكية وغير الاشتراكية في إطار وحدة شعبية من أجل إنجاز المهمتين الديمقراطية والوطنية والمشروع المجتمعي التقدمي ومنوال تنمية تضامني.
5 ـ وحدة العمال والشغالين والشعب الكادح تكون غير ذات معنى إذا لم تكن مرتبطة بالقضية المركزية في المجتمع وبالوضع السياسي.
لقد تعرضنا، في الفقرات السابقة، لمسألة وحدة طبقة العمال والشغالين من الزاوية المبدئية والنظرية، باعتبارها بطاقة دخولها للمسرح السياسي، لكننا لم نتناولها زاوية القضية المركزية في المجتمع وفي الوضع السياسي. وما من شك في أن القضية المركزية في مجتمعنا وبلادنا، منذ 5 سنوات، هي مسألة انتقال الجمهورية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية الذي يحكمه مشروعين مجتمعيين، الأول ديمقراطي حداثي والثاني تقليدي محكوم بالشريعة. وما من شك أيضا في أن المسألة الرئيسية في الوضع السياسي هي المخاطر التي تتهدد الجمهورية المتأتية بصورة خاصة من جهة المشروع الاستبدادي باسم الدين وذراعها العسكري السلفية الجهادية التكفيرية، المتمثلة في الجماعات الإرهابية ( جماعة عقبة ابن نافع و"داعش" وبقايا تنظيم "القاعدة")، زيادة على مخاطر الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي. ممَا يعني أنَه لا يمكن لوحدة طبقة العمال والشغالين أن تكون في خدمة مصالحها الجوهرية ومصالح الشعب وفي خدمة المصلحة الوطنية إلا إذا كانت تقدمية منحازة إلى جانب المجتمع الديمقراطي الحداثي وتعارض المشروع المجتمعي المحكوم بالشريعة، وتقف مدافعة عن الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية ومتصدية للمشروع الاستبدادي باسم الدين.
لقد اختلطت السبل على الشعب التونسي وعلى الرأي العام الديمقراطي بعد أن تألفت حكومة الصيد في إطار الشراكة بين "نداء تونس" و"حركة النهضة" وحزبي "الوطني الحرَ" و"آفاق تونس"، بحيث لم يعد يرى بوضوح الفرق بين المشروعين المجتمعيين وبين منوال التنمية الاجتماعي المتضامن والمنوال التنموي الليبرالي والنيوليبرالي وبين معسكري الجمهورية والاستبداد. وفي إطار هذا الغموض يتواصل الاستيلاء على مفاصل الدولة والسيطرة على الدولة العميقة، والسعي إلى التحكم في المنظمات الجماهيرية وبعث نسيج جمعياتي ييسر بسط نفوذ أصحابه على دواليب المجتمع، وتجري، في الوقت نفسه، عملية إعادة صياغة المخزون الثقافي والعقائدي للشعب ووجدانه، وذلك في إطار إستراتيجية "أسلمة الدولة والمجتمع" على مدى طويل، في ظل هدوء وسكينة من ناحية وتزكية وقبول من قبل الماسكين بالسلطة من ناحية أخرى. ومن الطبيعي أن ينجلي الغموض وتتضح الرؤية وتصبح الفوارق بين المشاريع بينة لمَا تتكل كل القوى الليبرالية واليسارية لتكوين معسكر للجمهورية له من القدرة ما يسمح لها برعية وحماية وصيانة الجمهورية الثانية: الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية. وبدون هذه القوة الضامنة للانتقال الديمقراطي يكون من غير الممكن أن تحمل الجمهورية في مسار تطورها المجتمع بأسره بمختلف قواه السياسية والمدنية والاجتماعية بما فيها المعارضة لها والعاملة من أجل تحقيق مشروعها الاستبدادي. ومن المنطقي أن تكون وحدة اليسار غير ذات معنى ودون تأثير يذكر على الحياة السياسية إذا لم تكن مصاغة في إطار وحدة الجمهوريين للدفاع عن الجمهورية وتثبيت أسسها ودعم مسيرة تطورها وارتقائها.
وفي هذا الإطار أيضا يكون ممكنا للطبقة العاملة والشغيلة والشعب الكادح أن يعقدا حلفا خاصا مع الأحزاب والشخصيات البورجوازية ومنظمات الأعراف والفلاحين ورجال الأعمال والجمعيات التي تمثل مصالحهم للدفاع عن الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية أمام مخاطر الإستبداد والإرهاب باسم الدين.
وبإمكان وحدة اليسار أن تنطلق من مستوى التنسيق في المواقف والعمل بين مختلف مكوناته، وطنيا وجهويا ومحليا، لترقي تدريجيا أرقى فأرقى. وهي أشكال متحولة تأخذ بعين الاعتبار الوضع الذي تمر به الطبقة العاملة والشغيلة والشعب الكادح واليسار الاشتراكي واليسار بصورة عامة، في وجهها المتعدد والموحد.
وخلاصة القول، إن وحدة اليسار الاشتراكي واليسار بصورة عامة في شكلها الحزبي أو الائتلافي وعلاقته بجماهير العمال والشغالين والشعب الكادح تشبه علاقة أنتنيوس بالأرض، في الأسطورة الإغريقية، إذ كان لا يقهر لأن ساقاه ثابتتان على قدمين ملتحمتين بالأرض، وكأنهما عمادين من الغرانيت. ولم يتمكن هرقل من صرعه إلا لمَا رفعه عن الأرض. لذلك فإن التنظيم السياسي لطبقة العمال والشغالين يمثل الأداة التي لا بديل عنها لتنمية وعيها وتنمية قدراتها وتحويلها إلى قوة لها دورها في رسم مستقبل مجتمعنا وارتقائه الحضاري.
تونس في 1 أكتوبر 2015