قراءة في خريطة الدين التونسي
قراءة في خريطة الدين التونسي
رياض الرمضاني
تونس في 3 أفريل 2024
تموّل الحكومات نفقاتها المختلفة التي تتعلق بتكلفة إسداء الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليم والثقافة، بالإضافة إلى تكلفة إنشاء أو تطوير البنى التحتية، من الإيرادات المالية المتأتية من عوائد الدولة من الشركات الوطنية ومن الضرائب والرسوم المفروضة على الأفراد والشركات. وعندما تكون موارد الدولة غير كافية لتغطية النفقات، تسجل الحكومة عجزا في الميزانية، وفي هذه الحالة، تلجأ إما إلى تقليص نفقاتها أو إلى فرض ضرائب ورسوم جديدة أو إلى الاقتراض الداخلي والخارجي. ولعل الحكومة التونسية وهي ترسم الخطوط الكبرى في تحديد معالم ميزانية 2024 لم تحد عمّا كانت تسير ضمنه حكومات العشرية السابقة بل زادت في حدة الإجراءات اللاشعبية واللاوطنية التي ترتكز على موارد جبائية غير عادلة ومزيد التداين عبر إغراق البلاد في الاقتراض الداخلي والخارجي بنسب فوائض عالية. إذ تم ضبط تقديرات موارد الخزينة لسنة 2024 بـ 28.708 مليار دينار وتتأتى بالأساس من موارد اقتراض بقيمة 28 مليار دينار منها 16 مليار دينار من الاقتراض الخارجي وقرابة 12 مليار دينار من الاقتراض الداخلي. وستكون قروض دعم الميزانية المنتظرة لسنة 2024 في حدود 14.470 مليار دينار:
صندوق النقد العربي بما يعادل 38 مليون دولار،
البنك الدولي 63 مليون يورو،
البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد 400 مليون دولار،
الجزائر 300 مليون دولار،
العربية السعودية 500 مليون دولار،
وقروض أخرى تبلغ 3.200 مليار دولار،
هذا بالإضافة إلى الدين الخارجي المتخلد بذمة الدولة التونسية والذي يتوزع إلى دين خارجي قيمته 66.2 مليار دينار ودين داخلي قيمته41.4 مليار دينار.
ويتوزع الدين الخارجي إلى ثلاث أصناف:
ـ الدين في الإطار الثنائي (مع الدول) والذي يمثل %17.8،
ـ الدين في إطار التعاون متعدد الأطراف (الديون من المؤسسات المالية: صندوق نقد الدولي، بنك دولي...) والذي يمثل 60 بالمائة من جملة الدين الخارجي. أما النسبة المتبقية والمقدرة بنحو %22.2 فقد تم اقتراضها من السوق المالية. وهي غالبا قروض من السوق المالية اليابانية بضمانات أمريكية.
وفيما يتعلق بهيكلة الدين الخارجي وفق العملات، فان أغلب ديون بلادنا هي بالعملة الأوروبية -اليورو-وذلك بنسبة 59.5 بالمائة يليه الدولار بنسبة 23.9 بالمائة واليان الياباني بنسبة 9.2 بالمائة، في حين تمثل مجمل الديون بالعملات الأجنبية الأخرى حوالي 0.7% من الدين الخارجي للبلاد.
تلك هي الديون التي أثقلت بها الحكومات المتعاقبة كواهل الشعب التونسي ودفعت البلاد لدخول أزمة حادة دفعتها إلى حافة الإفلاس. وللتحرر من المديونية لا بدّ من ضبط استراتيجية تنفذ على مراحل قوامها إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أساس خيارات جديدة ومنوال تنموي قائم على الاقتصاد الاجتماعي التضامني. وهو توجّه لا يمكن للسلطة القائمة أن تتحمله لأنها ليست صاحبة خيارات محددة، وتدير الشأن الاقتصادي وفقا لشعارات انتقائية من اليسار واليمين، والانغلاق والانفتاح، والاقتصاد الموجه والاقتصاد الليبرالي، والخيارات الاقتصادية الاجتماعية التضامنية والخيارات النيوليبرالية، تنضاف إليها الفوضى التي تنتجها خطابات الرئيس التحريضية وإثارة الشقاق وعدم الثقة والريبة والشك في المجتمع، وزيادة على ذلك فإن الرئيس وحكومته لا يملكان خطة للخروج من الأزمة كي يعود الاقتصاد لحيويته ويتعافى، والأخطر هو أن الحكومة وسائر الدعاة يتلاعبون بالرأي العام وبعامة فيما يتعلق بالمديونية وخلاص حصة دين متخلّد بالذمة، وكأن ذلك يعدّ إنجازا عظيما ويتلاقفون أنصاف كلمات يقلبونها رأسا على عقب ليتظاهروا وكأن تونس أصبحت قادرة على خلاص ديونها وأصبحت من أقل الدول دينا لدى صندوق النقد الدولي. إن الحكومة ودعاتها يلعبون بالنار وهم يقللون من حجم وثقل المديونية على الاقتصاد التونسي وعلى الشعب التونسي.