بيان المجلس المركزي المنعقد بتاريخ 1 أكتوبر 2023

Oct 2, 2023 - 14:40
Dec 24, 2023 - 14:40
 0  82
مشاركة
بيان المجلس المركزي المنعقد بتاريخ 1 أكتوبر 2023

بيان المجلس المركزي المنعقد بتاريخ 1 أكتوبر 2023

تزامن انعقاد المجلس المركزي للحزب الاشتراكي اليوم الأحد 1 أكتوبر 2023 مع الذكرى الـ17 لتأسيسه ووقف أعضاء المجلس على ظروف نشأة الحزب وإنجاز مؤتمره التأسيسي زمن نظام بن علي وما قدمه من مقترحات برنامجية لتغيير حياة التونسيات والتونسيين وما كان يتعرض له مناضلاته ومناضلوه من تضييقات وملاحقات على تحركاتهم، مثلهم مثل سائر النشطاء السياسيين، ولما يقدمونه من مشاريع مجتمعية مناهضة للنظام القائم وخياراته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الاستبدادية القامعة للحريات والديمقراطية.

أكّد المجلس المركزي أن الشعب التونسي افتك في انتفاضة 17 ديسمبر ـ 14 جانفي حرياته الأساسية كحرية التنظيم والتعبير والرأي ودخل في مرحلة انتقال الجمهورية من الدكتاتورية إلى الديمقراطية. إلا أن ميزان القوى السياسي كان راجحا إلى جانب جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم حركة النهضة، والقوى المحافظة، الأمر الذي سمح لها بأن تكسب الأغلبية في المجلس التأسيسي والنيابي، بينما القوى الجمهورية، اليسارية والديمقراطية والاجتماعية والمدنية، لم تكن سوى أقلية معارضة، داخل المجلس وخارجه، ومع ذلك فقد تمكّنت من إجبار حركة النهضة على التراجع والخروج من الحكومة والموافقة على دستور 2014 بالاعتماد على الشعب النشيط الذي وقف إلى جانبها في كل التحركات وخاصة في اعتصام الرحيل، ومن حماية المكاسب الاجتماعية والسياسية التي تحققت في المجتمع التونسي وبصورة خاصة حرية المرأة والحريات العامة والفردية والديمقراطية ومدنية الدولة والنظام الجمهور،غير أن الشعب التونسي وقواه الجمهورية، اليسارية والديمقراطية والاجتماعية والمدنية، لم يتمكنا من إجبار الأحزاب التي وصلت إلى السلطة، وفي مقدمتها حركة النهضة، وحكوماتها المتعاقبة على التخلي عن خياراتها الليبرالية المنفلتة وإتباع منوال تنمية اجتماعي، ولا من تجنب الأزمة الاقتصادية والماليّة التي أخذت مكانها في البلاد، جرّاء تعطّل الإنتاج وإنفاق السلطة الانتقالية مدخرات الدولة المالية على الطلب الاجتماعي المتزايد، وسوء التصرف في المال العام من قبل أحزاب السلطة الجديدة وحكوماتها المتعاقبة، وإغراق البلاد في المديونية وتنفيذ املاءات صندوق النقد الدولي إلا أن انتخابات 2019 التشريعية أعادت حركة النهضة إلى المركز الأول في البرلمان مدعومة بحزب ائتلاف الكرامة ومجموعة متطرفة أخرى، وإلى جانب جماعات الإسلام السياسي أخذ الحزب الدستوري الحرّ بزعامة عبير موسي مكانه في البرلمان أيضا، وإذا بالمجلس النيابي يتحوّل إلى ميدان صراع بين هذه القوى المحافظة، باعتماد العنف اللفظي والأساليب الاستعراضية وتعطيل الأشغال والتلاسن، المستمر مما أدى إلى ترذيل المؤسسة التشريعية والحط من دور الأحزاب والسياسة ومكانتهما في الدولة والمجتمع وعمل رئيس الدولة من جهته على تأجيج ذاك الصراع وتوسيع دائرته ليشمل حزب قلب تونس، الحزب الثاني في البرلمان، بدعوى أنه لا يقبل التعامل مع الفاسدين سواء في الحكومة أو خارجها، ثمّ مرّ إلى تحميل ما يجري في البلاد وفي المجلس من تعفن الحياة السياسية ومن تعطل لدواليب الدولة والفساد إلى الأحزاب السياسية والنخب، فاستغل الأزمة الصحية وفقدان التلاقيح والأوكسيجين ليمرّ بقوة ويخرج عن أحكام الفصل 80 من دستور 2014 وينطلق في تنفيذ مشروعه الخاص "البناء القاعدي" وحكمه الفردي، فوضع بذلك حدا نهائيا للانتقال الديمقراطي.

لقد أكد أعضاء المجلس المركزي بأن 25 جويلية لم يفتح أفقا للخروج من الأزمة التي تردت فيها بلادنا بل ظلت تتعمق يوما بعد يوم، وهي بصدد الوصول بها إلى حافة الإفلاس، خاصة وأن رئيس الدولة وحكومته لا يملكان أي تصور، سواء لإيقاف التدهور أو النهوض، فالإنتاج متعطل والمشاريع التنموية المحركة لعجلة الاقتصاد غائبة وعوضتها الشركات الاهلية التي لا تلبي سوى الحاجيات الخاصة للمعنيين بها، إن تمكّنت من ذلك، باعتبارها في الغالب مؤسسات صغرى ومتوسطة عاجزة على خلق ديناميكية اقتصادية وغير قادرة على المنافسة في السوق وبالتالي على البقاء، بحيث أن 10% منها قد يأخذ مكانه في الدورة الاقتصادية. وبالإضافة إلى ذلك فإن ارتجالية السياسة الرسمية وعشوائيتها تثير خشية كبيرة في أوساط المال والأعمال تدفعها إلى مزيد من الانكماش، والخوف من الغد في الأوساط الشعبية على معيشة أبنائها وبناتها، وبصورة خاصة لمّا أصبحت العديد من المواد الأساسية تفقد بصورة متواترة من السوق، ولمّا أصبحت الأسعار ترتفع بصورة جنونية، حتى أنه يمكن القول أن الدعم قد تمّ رفعه بصورة واقعية، ولمّا أصبح المواطن يرى مقدرته الشرائية تتدهور كل يوم أكثر. مما يؤكد بأن العودة إلى حقيقة الأسعار بتوجيه الدعم لمستحقيه، والتخفيض في كتلة الأجور بـ"تطهير الإدارة"، و"الشركات الأهلية" لمعالجة معضلة البطالة، ليست سوى تنفيذا لتوصيات صندوق النقد الدولي بشأن الإصلاح الهيكلي وإصلاح المالية العمومية، رغم الكساء الشعبوي الذي يغطي به قيس سعيد وحكومته حقيقة الخيارات التي يتبعانها.

أن الأزمة السياسية تفاقمت وأصبح الصراع مباشرا بين رئيس الدولة وحركة النهضة الواقفة وراء جبهة الخلاص، حول من منهما يتولى قيادة المجتمع والدولة ليتلاءم مع المشروع المحافظ، وبصورة خاصة بعد صدور الأمر 117 لسبتمبر 2021، وبعد أن دفع بأجهزة الدولة الصلبة لتدعمه في المرور بالقوّة لتنفيذ مشروعه الشعبوي الفردي واكتفى في ذلك بالاعتماد على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية ( 3 ملايين متابع)، زيادة على بقية الصفحات النصيرة، وعلى الجيش الإلكتروني الذي يرصد كل ناقد أو صاحب رأي أو خبير، باختصار- كل من ليس مصطفا- ليشن هجماته العنيفة وغير الأخلاقية عليهم والمس من عرضه وسحله. إنه بمثل تلك الصورة العنيفة المستعدة للانقضاض على أي كان يسلط قيس سعيد حكمه على التونسيين وهم في الحقيقة لم ينخرطوا في دوامة الشعبوية، رغم أن قطاعات واسعة منهم استبشروا خيرا بـ25 جويلية وإزاحة حركة النهضة من الحكم، فهم لم يشاركوا في الاستشارة الإلكترونية حول الدستور إلا بنسبة 5%، وفي الاستفتاء عليه إلا بثلث الناخبين، وفي الانتخابات التشريعية لسنة 2022، التي اعتبرها الرأي العام الدولي والشعبي من أفسد الانتخابات حيث حكمتها الوجاهات المحلية والعروشية والمال الفاسد ولم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 12% من أصوات الناخبين ومع ذلك قبل بها قيس سعيد واعتبرها تمثل "الشعب الصادق" وطبقا لأحكام دستور 22 فقد المجلس التشريعي، مثله مثل القضاء، استقلاليتهما باعتبارهما تحوّلا إلى وظيفة. وها هو اليوم يستعد لإنجاز الانتخابات المحلية التي ستكون متبوعة بالقرعة على تكوين مجلس الجهات والأقاليم (التي يقاطعها الحزب الاشتراكي مثله مثل الأحزاب الديمقراطية واليسارية والجمهورية).

إن الانتهاء من تركيز "البناء القاعدي" سيمحو مكتسبات الشعب التونسي الاجتماعية والسياسية والثقافية والمدنية المتبقية التي حققها وذلك لكي تتوفّر كل الإمكانيات لبقاء الرئيس الحالي في السلطة أطول مدة ممكنة، ولكي لا يزاحمه أحد في انتخابات 24 شرع في خنق الحريات بالاعتماد على المرسوم 54 على أوسع نطاق ومتابعة النشطاء السياسيين المدنيين قضائيا، ورمي لمنافسيه المحتملين في السجن بتهمة التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي ممّا يعني أننا أمام أزمة حكم حقيقية وأن الخروج منها يقتضي معالجة شاملة للوضع تفتح على حلول واقعية وتعيد للحريات العامة والفردية والمساواة ولمبادئ الديمقراطية وقيمها مكانتها في الدولة والمجتمع وللسلط الثلاثة مقامها ولسيادة الشعب موقعها في اختيار من يمثله ومن يحكمه عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، مع إصلاح عيوبها، وتوفير البدائل الدستورية والاقتصادية والاجتماعية في إطار ميثاق جمهوري مفتوح لكل القوى الجمهورية، ديمقراطية ويسارية واجتماعية ومدنية وشخصيات مستقلة.

وأكد المجلس المركزي في خاتمة تناوله للأوضاع العامة على أن يعمل الحزب على خلق الظروف المناسبة للوحدة مع هذه القوى والعمل المشترك معها وكلّفوا الامين العام والمكتب التنفيذي بمتابعة ذلك من أجل تكوين القوة الجمهورية اللازمة وبناء البرنامج البديل من أجل تونس، جمهورية اجتماعية ديمقراطية متضامنة.

تونس في 1 أكتوبر 2023

عن المجلس المركزي

الرئيس عبد السلام العوني